تقرير خاص : عدن تشهر سلاح الجمارك في وجه موانئ الحوثي.. لا تحويلات قبل سداد الرسوم
تاربة اليوم
2026-11-09 03:17:00
تقرير خاص : عدن تشهر سلاح الجمارك في وجه موانئ الحوثي.. لا تحويلات قبل سداد الرسوم
الاحد 08 نوفمبر 2026 – الساعة:18:17:05
(تاربة اليوم / غازي العلوي 🙂
كيف تحاصر عدن الموارد المالية للحوثيين من بوابة التحويلات؟
هل تنجح عدن في انتزاع إيرادات موانئ الحوثي؟
لماذا ربطت الحكومة تحويلات الاستيراد بسداد الجمارك والضرائب؟
هل تصبح البنوك سلاح عدن الجديد في معركة الموارد مع الحوثيين؟
كيف تضع الإجراءات الجديدة تجارة الحوثيين أمام حصار مالي؟
عدن تحاصر موانئ الحوثي مالياً
تاربة اليوم /غازي العلوي:
في خطوة تعكس توجهاً حكومياً نحو تشديد قبضتها على الموارد المالية المرتبطة بالتجارة الخارجية، اتخذت الحكومة اليمنية إجراءات جديدة تستهدف إخضاع الواردات التجارية الواصلة عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي لآليات التحصيل والرقابة الإيرادية، من خلال ربط استكمال إجراءات المصارفة والتحويلات المالية إلى الخارج بسداد الرسوم الجمركية والضرائب وسائر العوائد الحكومية المستحقة على البضائع المستوردة.
وتضع الإجراءات الجديدة المستوردين والمؤسسات التجارية والبنوك وشركات الصرافة أمام اشتراطات مالية أكثر صرامة، إذ لن يكون بمقدور المستوردين استكمال عمليات تحويل قيمة بضائعهم إلى الموردين في الخارج، عبر الآلية المعتمدة، قبل تقديم ما يثبت سداد الالتزامات الحكومية المترتبة على تلك الواردات، في توجه يهدف إلى الحد من استمرار تدفق النشاط التجاري عبر موانئ الحوثيين دون أن يقابله تحصيل للإيرادات العامة المستحقة للدولة.
وجاء التحرك الحكومي عبر الغرفة التجارية والصناعية في العاصمة عدن، التي وجهت، الأربعاء، تعميماً إلى التجار والشركات والمؤسسات التجارية، دعتهم فيه إلى الالتزام بقرار اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات رقم (8) لسنة 2026، بشأن تعديل آليات تحصيل الرسوم الجمركية والضرائب والعوائد الحكومية على البضائع المستوردة عبر الموانئ الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.
وأرفقت الغرفة بتعميمها رقم (53) رسالة رئيس اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، محافظ البنك المركزي اليمني أحمد غالب، المؤرخة في 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والمتضمنة التعديلات الجديدة على آليات تنظيم وتمويل الواردات، بما يضمن تحصيل المستحقات الحكومية قبل تنفيذ التحويلات المالية المرتبطة بها إلى الخارج.
آلية جديدة.. لا تحويلات قبل سداد المستحقات
وبحسب القرار الذي أقرته اللجنة الوطنية مؤخراً، فقد جرى تعديل آليات عملها بما يكفل تحصيل الرسوم الجمركية والضرائب وسائر العوائد القانونية المستحقة على السلع والبضائع المستوردة عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مع وضع إجراءات تنفيذية تربط بين استكمال المعاملات المصرفية والوفاء بالالتزامات الإيرادية للدولة.
وتنص المادة الأولى من القرار على ربط إجراءات المصارفة والتحويل الخارجي المتعلقة بالواردات بسداد كامل المستحقات الحكومية، وفقاً للفئات والنسب والمبالغ المحددة بموجب القوانين والقرارات النافذة، وهو ما يعني أن الموافقة على تحويل قيمة البضائع إلى الموردين الخارجيين أصبحت مشروطة بإثبات تسوية الرسوم والضرائب المترتبة عليها.
أما المادة الثانية، فقد قضت بتفويض الجهات الإيرادية المختصة، ممثلة بمصلحة الجمارك، باحتساب وتحصيل الرسوم الجمركية والضرائب والعوائد الأخرى المستحقة على فواتير السلع والبضائع المشحونة إلى تلك الموانئ، مع إلزام المستوردين بسداد كامل المبالغ المحددة وإثبات تحصيلها قبل تنفيذ التحويلات المالية إلى الخارج.
البنوك وشركات الصرافة في دائرة التنفيذ
ولم تقتصر التعديلات الجديدة على المستوردين والجهات الإيرادية، بل امتدت لتشمل المؤسسات المالية التي تتولى تنفيذ عمليات المصارفة والتحويلات الخارجية، إذ ألزمت الآلية البنوك وشركات الصرافة بالتحقق من استيفاء المستوردين وثائق السداد المطلوبة قبل إحالة طلبات المصارفة والتحويل الخارجي إلى اللجنة الوطنية للموافقة عليها.
ويعني ذلك أن المؤسسات المصرفية وشركات الصرافة ستصبح طرفاً أساسياً في تنفيذ منظومة التحصيل الجديدة، ولن يقتصر دورها على معالجة طلبات تحويل الأموال، بل سيمتد إلى التأكد من استكمال المتطلبات الإيرادية المرتبطة بكل عملية استيراد، بما يجعل الالتزام بالقرار جزءاً من إجراءات تقديم الخدمات المالية والتجارية.
كما نصت الآلية على إيداع المبالغ المحصلة في حساب الأمانات لمدة 30 يوماً، قبل توريدها إلى الحسابات الحكومية المختصة، وهي خطوة تدخل ضمن الترتيبات المنظمة لعملية التحصيل والتوريد، وتحدد مسار الأموال التي يتم استيفاؤها بموجب الإجراءات الجديدة.
وتمنح هذه الآلية الجهات الحكومية فرصة لتعزيز التنسيق بين مصلحة الجمارك والبنك المركزي والمؤسسات المالية، بما يتيح ربط البيانات المتعلقة بالفواتير التجارية والمبالغ المستحقة وإثباتات السداد، وتقليص فرص تمرير التحويلات المالية دون استكمال الالتزامات القانونية.
من مذكرة حكومية إلى قرار تنفيذي
ويأتي القرار استناداً إلى مذكرة سابقة رفعها رئيس مجلس الوزراء إلى رئيس اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، قبل أسابيع، بشأن تعديل آليات عمل اللجنة بما يسمح بتحصيل الرسوم الجمركية والضرائب على البضائع الواصلة إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
ويكشف تسلسل الإجراءات عن انتقال التوجه الحكومي من مرحلة المطالبة بتوسيع نطاق التحصيل الإيرادي إلى مرحلة وضع آليات تنفيذية تستند إلى أدوات الرقابة المصرفية وتنظيم تمويل التجارة الخارجية، بما يسمح للحكومة بالتعامل مع أحد أبرز التحديات التي تواجهها في إدارة الموارد العامة، والمتمثل في استمرار النشاط التجاري عبر منافذ لا تخضع لسلطتها المباشرة.
ففي الوقت الذي تفرض فيه الظروف القائمة واقعاً تجارياً تتدفق بموجبه السلع والبضائع عبر موانئ متعددة داخل البلاد، تسعى الحكومة إلى ضمان عدم انفصال حركة الاستيراد عن الالتزامات المالية والقانونية تجاه الدولة، مستفيدة من سيطرتها على جانب مهم من منظومة التمويل والتحويلات الخارجية.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو القرار مجرد تعديل فني في إجراءات استيراد السلع أو تحويل قيمتها، بقدر ما يمثل محاولة لتوسيع نطاق الحضور المالي للدولة، واستخدام أدواتها المصرفية والإيرادية للوصول إلى نشاط اقتصادي يجري جزء كبير منه خارج نطاق سيطرتها الميدانية.
تضييق الموارد الحوثية.. معركة تتجاوز الجمارك
وتحمل الإجراءات الجديدة أبعاداً تتجاوز مسألة تحصيل الرسوم الجمركية والضرائب، إذ تستهدف الحد من بقاء العوائد المالية المرتبطة بالواردات التجارية خارج المنظومة الإيرادية الحكومية، في ظل الانقسام المؤسسي والاقتصادي الذي تشهده البلاد، وما ترتب عليه من تعدد مراكز إدارة الموارد والإيرادات.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تستهدف واحدة من أكثر القنوات ارتباطاً بحركة الاقتصاد، وهي تمويل التجارة الخارجية، إذ إن استيراد السلع لا يقتصر على دخول البضائع عبر الموانئ، بل يتطلب سلسلة من العمليات المالية والمصرفية التي تمر عبر البنوك وشركات الصرافة، وهو ما يمنح الجهات الحكومية المعنية فرصة للتدخل في هذه الحلقة وفرض اشتراطاتها القانونية.
وبالتالي، فإن ربط التحويلات الخارجية بسداد المستحقات الحكومية يضع المستوردين أمام معادلة جديدة، قوامها أن ممارسة النشاط التجاري عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين لن تعفيهم من الالتزامات الإيرادية للدولة، كما أن وجود البضائع في مناطق خارج السيطرة الحكومية لا يعني بالضرورة خروج معاملاتها المالية من نطاق الرقابة التي تمارسها المؤسسات الرسمية.
ومن شأن الالتزام بهذه الإجراءات، إذا ما نُفذت بصورة فعالة، أن يحد من حرمان الخزينة العامة من جانب من الإيرادات المرتبطة بالواردات، ويعزز قدرة الحكومة على تتبع العمليات التجارية ذات الصلة، فضلاً عن توجيه رسالة واضحة إلى القطاع التجاري مفادها أن التعاملات المالية المرتبطة بالاستيراد يجب أن تظل خاضعة للقوانين واللوائح النافذة.
اختبار التنفيذ.. هل تنجح عدن في فرض معادلة التحصيل؟
ورغم الأبعاد المالية والرقابية التي يحملها القرار، فإن نجاحه لن يتوقف على صدور التعليمات أو تحديد الاشتراطات الجديدة فحسب، بل سيظل مرهوناً بمدى قدرة الجهات المعنية على تحويلها إلى إجراءات عملية ملزمة، وإحكام التنسيق بين البنك المركزي ومصلحة الجمارك واللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، إلى جانب التزام البنوك وشركات الصرافة والمستوردين بتنفيذها.
كما تبرز أهمية وجود آليات رقابية دقيقة للتحقق من صحة الفواتير التجارية وقيم البضائع والمبالغ المستحقة، وضمان عدم اللجوء إلى وسائل التفاف من شأنها تقويض أهداف القرار، سواء عبر تغيير مسارات التحويلات أو استخدام قنوات مالية بديلة أو تقديم بيانات تجارية غير دقيقة.
ويظل التحدي الأبرز أمام الحكومة هو ضمان شمولية التطبيق واستمراريته، بحيث لا تتحول الإجراءات إلى قيود شكلية يمكن تجاوزها، وإنما إلى منظومة تحصيل متكاملة تضمن وصول الإيرادات المستحقة إلى حسابات الدولة وفقاً للقانون.
وفي المحصلة، تفتح هذه الإجراءات جبهة جديدة في المواجهة الاقتصادية والمالية مع ميليشيا الحوثي، عنوانها إخضاع حركة الاستيراد والتمويل التجاري لمتطلبات التحصيل الحكومي، وتوسيع أدوات الرقابة على الموارد المرتبطة بالموانئ الواقعة خارج سيطرة الدولة.
وبينما تسعى عدن إلى استعادة جانب من الإيرادات التي ظلت بعيدة عن المنظومة المالية الرسمية، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الحكومة على فرض هذه المعادلة على أرض الواقع، وتحويل أدوات الرقابة المصرفية من مجرد وسيلة لتنظيم التحويلات الخارجية إلى رافعة فاعلة لاستعادة الموارد العامة وتعزيز المركز المالي للدولة.







