هل غرق التنسيقي في شبر ما
بقلم / المحامي صالح باحتيلي النعماني
لقد ان الاوان ليتقدم مؤتمر حضرموت الجامع لتمثيل حضرموت والدفاع عن مشروع حضرموت السياسي. يعتبر مؤتمر حضرموت الجامع، الى الان هو الكيان السياسي الجامع الوحيد والاكثر تنظيما وخبرة ، الكيان السياسي المؤسسي الوحيد، الذي يمتلك هياكل تنظيمية وفروع في كل المديريات والمدن الرئيسية، وجناح عسكري وقبلي، لخلق توازن ، وحضور والتفاف جماهيري ومستوى متقدم من التنظيم والتواصل الداخي مع السلطات المركزية اليمنية بشان قضية استقلال حضرموت، والتواصل الخارجي والاممي فيما يتعلق بمشروع حضرموت السياسي،لم يسبق لاي كيان سياسي حضرمي ان وصل الى هذا المستوى . اذا ماذا بشان المجلس التنسيقي الاعلى لحضرموت ؟بكل اسف المجلس التنسيقي الحضرمي لم يكن اختيارا موفقا، ولم يكن اقتراح سعودي كما يروج له ولم يكن مشروع وطني حقيقي نابع من ارادة حضرمية، لذلك عليه الالتحاق فورا بمؤتمر حضرموت الجمع. الملجس التنسيقي تم الترويج له على انه المنقذ لحضرموت وحامل لمشروعها السياسي، لكن يبدوا انه يحتاج الى من ينقذه . المجلس التنسيقي منذ الاعلان عنه غرق في شبر ماء، و لم يخرج من اصغر دائرة من دوائر التنظيم اي انه مازال مجرد موقع على الويب سايت ، ومجرد فكرة في طور التكوين، لم تخرج خارج المكتب المعد له، لذلك لن يقدم اي شي في الوقت الحاضر لصالح حضرموت. لكن يستطيع بعد عشرين سنة اذا اطال الله في عمره، ان يوجه مذكرة للسلطات المركزية اليمنية، ان لدية قضية، هذه الخطوة، اي مواجهة السلطات المركزية اليمنية بقضية حضرموت السياسية قد وصل اليها مؤتمر حضرموت الجامع قبل عشر سنوات اي ان التنسيقي قد يحتاج الى عشرين سنه حتى تكتمل الهيكلة والفروع ، قبل ان يبدا بالتفاوض مع السلطات المركزية اليمنية. لذلك فان الراي الحكيم ان يلتحق بمؤتمر حضرموت الجمع ويستكملون فوق البناء الذي وصل الية الجامع منذ عشر سنوات .
شعب حضرموت اليوم قبل غدا بحاجة إلى البحث عن مخرج حقيقي وفاعل لقضيتها، بعيدًا عن أسلوب الخداع السياسي بكيانات تحاور مع نفسها، وتستهلك الوقت في الدوران حول ذاتها، من دون أن تقترب بصورة جدية من الهدف الذي يتطلع إليه شعب حضرموت، منذ ان طوى الشيخ صالح بن حريز خيمتة من امام بترو مسيلة، تنفست السلطات المركزية اليمنية الصعاء وكذلك الجنوب الاستبدادي. وللعلم لم ياتي احد من السلطات المركزية اليمنية بعد ذلك للتفاوض بشان حقوق حضرموت ، وكل الكيانات السياسية الحضرمية بعد ذلك لم تتقدم خطوة بل انها تدور حول نفسها ولم تلتفت لها السلطات المركزية ابدا .
إن تأسيس المزيد من المجالس والكيانات السياسية التي تعطل الشوط الكبير الذي قطعه مؤتمر حضرموت الجامع لن يقود الا إلى نتيجة فاشلة، حضرموت لا تحتاج إلى كيان سياسي يفاوض نفسه، وإنما إلى مشروع سياسي يضع الطرف الآخر أمام استحقاق التفاوض.
ومن هنا يمكن التفكير في نموذج مختلف يقوم على الفعل السياسي المباشر والسلمي؛ كأن ينظم المجلس التنسيقي الاعلى الى مؤتمر حضرموت الجامع بدون تفكير . لان الجامع كيان سياسي يمتلك هياكل تنظيمية جاهزة، ويمتلك القدرة على الحشد والتنظيم، ويستطيع ان يقيم اعتصامًا مفتوحًا أمام بوابة شركة بترومسيلة، وآخر أمام مقر إدارة المحافظة، ثم يوجه دعوة واضحة إلى السلطات المركزية اليمنية للتفاوض، إذا أرادت تجنب فرض ترتيبات جديدة على إدارة بترومسيلة أو تغيير السلطة التنفيذية في المحافظة . وهذه الاجراءات لايستطيع التنسيقي القيام بها حتى بعد عشرين سنه.
عندها، لن يكون السؤال: من يحاور من؟ بل سيكون السؤال: ما الذي تريده السلطة المركزية للوصول إلى اتفاق مع حضرموت؟
وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.
فالضغط السياسي المنظم يمكن أن يفتح الباب أمام اتفاقيات متدرجة، تتطور كل واحدة منها إلى مستوى أعلى من الاعتراف بالحقوق والمطالب الحضرمية. ومن خلال تراكم هذه الاتفاقيات يمكن بناء وضع سياسي وقانوني جديد، يضع قضايا السيادة والهوية وحق تقرير المصير في قلب أي تسوية مستقبلية.
دروس من تجربة الشيخ صالح بن حريز
وإذا عدنا إلى الوراء لاستلهام الدروس من بعض المحطات المهمة في مسار القضية الحضرمية، فإن تجربة الشيخ عمر بن حبريش والشيخ صالح بن حريز تستحق التوقف عندها،والدراسة والبحث ، وقد وضعت كتابا يحتوي على معلومات مفيدة اسمه (قراءة في خطاب الشيخ عمرو بن حبريش) ليس باعتبارها أحداثًا عابرة، وإنما باعتبارها نماذج مختلفة من التفكير الاستراتيجي في ممارسة الضغط السياسي على السلطة.
ففي إحدى المحطات السابقة، وخلال عهد الرئيس عبدربه منصور هادي، أُرسل وفد مدني وعسكري رفيع المستوى إلى الخيمة التي نصبها الشيخ صالح بن حريز أمام شركة بترومسيلة، وسألوه بصورة مباشرة: ماذا تريد؟
وكان جوابه، واضحًا ومباشرًا: اكتبوا اتفاقًا يتضمن أن حضرموت تدير شؤونها، وأن النفط تديره حضرموت، وأن يكون الحكم الذاتي خطوة أولى على طريق الوصول إلى الاستقلال الكامل. ومنذ تلك الفترة حصلت حضرموت على حق ادارة نفسها.
بعيدًا عن تقييم المواقف السياسية أو الاتفاق والاختلاف معها، فإن اللافت في هذه التجربة هو طريقة إدارة التفاوض نفسها.
فالشيخ صالح بن حريز لم ينتظر حتى تفيق السلطات المركزية اليمنية من سباتها لتسمع قوله ، بل ان نصب الخيمة عند بترومسيلة كان بمثابة جهاز انذا نبه السلطات المركزية الى ان تبدا بالتفاوض فورا . لقد خلق واقعًا سياسيًا دفع السلطة إلى الحضور والسؤال عن المطالب.
وهنا تكمن قيمة التجربة.
فالسياسة، في جوهرها، ليست مجرد بيانات ومؤتمرات وكيانات تحمل أسماء سياسية؛ السياسة هي القدرة على تحويل المطالب إلى أوراق قوة، وتحويل أوراق القوة إلى تفاوض، وتحويل التفاوض إلى اتفاقات ملزمة.
ان الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تلك التجربة هو ضرورة الانتقال من سياسة الانتظار إلى صناعة الاستحقاق السياسي.
فالكيان الذي يريد تمثيل حضرموت يجب ألا تكون مهمته الأساسية عقد الاجتماعات أو إصدار البيانات، بل أن تكون لديه خطة واضحة:
تحديد المطالب الحضرمية بدقة، وعدم تركها شعارات عامة قابلة للتأويل.
خلق أدوات ضغط سلمية وقانونية تجعل تجاهل تلك المطالب مكلفًا سياسيًا.
دعوة السلطات إلى تفاوض مباشر بدل استنزاف الوقت في حوارات داخلية.
تحويل كل تفاوض إلى اتفاق مكتوب يتضمن التزامات واضحة وجداول زمنية وآليات تنفيذ.
البناء على كل اتفاق للوصول إلى مرحلة سياسية أعلى.
حضرموت لا تحتاج إلى المزيد من المتاهات
المشكلة ليست في مجلس التنسيقي الذي مازال غض الغصن، وإنما في قدرة هذه الكيان على تحقيق نتائج سياسية وهو مازال في حكم الضائع .
فإذا كانت كل مؤسسة جديدة ستكرر الأسلوب ذاته—اجتماعات، بيانات، لجان، لقاءات، ثم انتظار—فإن النتيجة ستكون المزيد من استهلاك الوقت.
حضرموت تحتاج إلى مشروع سياسي يعرف إلى أين يريد الوصول، وكيف يصل، وما الأوراق التي يستطيع استخدامها في كل مرحلة.
أما الطريق الذي يجعل القضية تدور في حلقة مفرغة بين الكيانات الحضرمية نفسها، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة.
لقد أثبتت بعض المحطات السابقة أن الفعل الميداني السلمي عندما يكون منظمًا، ومسنودًا بمطالب واضحة، وقادرًا على إجبار السلطة على الجلوس إلى طاولة التفاوض، يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا من عشرات البيانات السياسية.
والهدف النهائي، بالنسبة لمن يطالبون بحقوق حضرموت السياسية، ليس تأسيس كيان جديد لمجرد إضافة اسم إلى قائمة الكيانات، وإنما بناء قوة سياسية حضرمية بالانظمام الى مؤتمر حضرموت الجامع فهو اكثر تاهيلا وقدرة على انتزاع الاعتراف بحقوق حضرموت، وصولًا إلى حقها في إدارة مواردها، وحماية هويتها، وتحديد مستقبلها السياسي بإرادة أبنائها.
حضرموت لا تحتاج إلى كيان يحاور نفسه منذ ان تم الاعلان عنه ، بل تحتاج إلى مشروع يضع الطرف الآخر أمام استحقاق التفاوض.ثم يجرها الى طاولة ومعاهدات .
المحامي صالح باحتيلي النعماني محام مترافع أمام المحكمة العليا






