اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

تريم.. حين يُستباح إرث مدينة العلم لصالح تجارة القات!

تريم.. حين يُستباح إرث مدينة العلم لصالح تجارة القات!

بقلم / م.  علي عبود الجابري
الجمعة 6 نوفمبر 2026

# تريم.. مدينة العلم والعلماء أم سوق مركزي للقات؟!
حين تتعارض المشاريع التجارية مع هوية المجتمع ومستقبله

ليس كل مشروع استثماري مكسباً للمدينة، وليس كل نشاط تجاري يستحق الترحيب لمجرد أنه يوفر دخلاً لأصحابه. فهناك مشاريع تُقاس جدواها بما تضيفه إلى المجتمع، وهناك مشاريع ينبغي التوقف أمام آثارها الاجتماعية والثقافية قبل أن تتحول إلى واقع يصعب التراجع عنه.

وما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي بشأن افتتاح سوق مركزي لبيع القات في مدينة تريم يستحق وقفة جادة، لا باعتباره مجرد افتتاح لموقع تجاري، وإنما لما يحمله من دلالات تتجاوز حدود المكان والنشاط التجاري.

**تريم ليست مدينة عادية في الذاكرة الحضرمية.**

إنها مدينة العلم والعلماء، مدينة المساجد والمدارس والمكتبات والمخطوطات، ومدينة ارتبط اسمها عبر قرون بالعلم والدعوة والوسطية والتقاليد الاجتماعية الأصيلة. ولم يكن اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2010م حدثاً عابراً، بل اعترافاً بمكانتها الحضارية وإرثها الثقافي الذي تجاوز حدود حضرموت واليمن.

ومن هنا يأتي السؤال: هل يليق بهذه المدينة أن تتجه إلى إنشاء سوق مركزي لنشاط ظل المجتمع الحضرمي ينظر إليه باعتباره ظاهرة دخيلة على عاداته وتقاليده، وله آثار اقتصادية واجتماعية وصحية لا تخفى على أحد؟

**لسنا أمام خلاف على مكان بيع سلعة تجارية، بل أمام سؤال عن الاتجاه الذي نريد أن تسير فيه مدننا.**

فالقات ليس مجرد أوراق تُباع وتُشترى؛ إنه عادة تستنزف ساعات طويلة من عمر الإنسان، وتستقطع جزءاً من دخل الأسرة، وتؤثر في الإنتاجية والعمل، وتخلق لدى بعض متعاطيه أنماطاً من الاعتماد اليومي يصعب التخلص منها.

وحين يتحول نشاط كهذا إلى سوق مركزي، فإن الأمر لا يقتصر على توفير مكان للبيع، بل قد يمنحه حضوراً مؤسسياً واجتماعياً أوسع، ويشجع على زيادة انتشاره، ويبعث برسالة ضمنية بأن هذا النشاط أصبح جزءاً طبيعياً من المشهد التجاري للمدينة.

وهنا تكمن خطورة المسألة.

**أما مسؤولية السلطات المحلية والجهات المختصة، فهي مسؤولية لا يمكن تجاوزها.**

فحتى لو كان المشروع بمبادرة استثمارية خاصة من تجار القات، كما أوردت الأخبار المتداولة، فإن ذلك لا يعفي الجهات المعنية من مسؤوليتها عن مراجعة التراخيص والإجراءات، ودراسة الآثار الاجتماعية والعمرانية، ومراعاة خصوصية المدينة.

ومن حق المجتمع أن يسأل: هل تمت دراسة المشروع قبل السماح بإقامته؟ وهل جرى التشاور مع الشخصيات الاجتماعية والعلمية وممثلي المجتمع؟ وما المعايير التي استندت إليها الجهات المختصة في التعامل معه؟

وهل هناك توجه واضح لدى السلطات للحد من انتشار هذه الظاهرة، أم أن الأمر أصبح خاضعاً لمنطق المصالح التجارية والعوائد المالية؟

كما أن من حق المواطنين التساؤل عما إذا كانت هناك تسهيلات أو مظلة من النفوذ مكّنت القائمين على المشروع من المضي فيه، لكن الإجابة عن ذلك تحتاج إلى معلومات ووثائق، لا إلى إطلاق اتهامات جزافية.

إن السكوت عن مثل هذه التساؤلات لا يخدم الثقة بين المجتمع والسلطة، بل يزيد من اتساع فجوة الشك والريبة.

**وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بما يمكن أن يترتب على هذا المشروع مستقبلاً.**

فالمشاريع التي تبدأ صغيرة قد تتوسع، والأنشطة التي تُمنح شرعية الواقع قد تصبح أمراً يصعب الاعتراض عليه لاحقاً. وقد تتحول تريم، بدلاً من أن تكون نموذجاً في المحافظة على إرثها الثقافي والاجتماعي، إلى محطة لتوسع ظاهرة لا تنسجم مع الصورة التي عُرفت بها.

فأي رسالة نبعث بها إلى شباب تريم وحضرموت كافة وأجيالها القادمة حين تصبح إقامة سوق مركزي للقات أمراً مقبولاً في مدينة عُرفت تاريخياً بالعلم والاعتدال والمحافظة على القيم؟

وأي معنى يبقى للحديث عن حماية الهوية الحضرمية إذا كنا نفتح الأبواب أمام أنشطة تتعارض مع ما نطالب بالحفاظ عليه؟

إن المحافظة على هوية المدن لا تعني تجميد الحياة أو رفض الاستثمار، بل تعني أن يكون الاستثمار منسجماً مع طبيعة المجتمع، وأن تكون التنمية إضافة إلى رصيده الحضاري لا خصماً له.

**ومن هنا، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بالاستنكار، وإنما اتخاذ موقف مسؤول:**

– مراجعة الإجراءات والتراخيص المتعلقة بالمشروع، وإعلان الأسس القانونية التي استند إليها.

– إعادة النظر في تحويل الموقع إلى سوق مركزي، وعدم التوسع في هذا النشاط قبل تقييم آثاره.

– إشراك العلماء والوجهاء والمثقفين وممثلي المجتمع في أي قرارات تمس الهوية الاجتماعية للمدينة.

– تبني مشاريع استثمارية وثقافية وتنموية تليق بمكانة تريم وتوفر فرصاً حقيقية لشبابها.

لسنا ضد الاستثمار، ولا ضد أرزاق الناس، ولسنا بصدد الإساءة إلى أصحاب النشاط التجاري، لكننا نؤكد أن للمجتمع حقاً في حماية مصالحه ومستقبل أبنائه، وأن الحرية التجارية لا تعني تجاهل المسؤولية الاجتماعية.

**وأخيراً..**

إن المدن لا تفقد هويتها في يوم واحد، وإنما تفقدها حين تتراكم القرارات الصغيرة التي لا يُلتفت إلى عواقبها، وحين يصبح الاعتراض على المساس بقيم المجتمع مجرد ضجيج عابر في وسائل التواصل.

تريم تستحق أن تكون واجهة لحضرموت في العلم والثقافة والاستثمار المنتج، لا أن يُختزل حضورها في سوق للقات.

إنها أمانة تاريخية وحضارية في أعناق أبنائها وسلطاتها ومثقفيها وعلمائها، والدفاع عن هويتها ليس موقفاً ضد أحد، بل موقف من أجل الأجيال القادمة.

**فهل تدرك الجهات المعنية أن حماية هوية تريم مسؤولية لا تقل أهمية عن حماية أمنها وخدماتها وممتلكات أهلها؟**

إغلاق