اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

أراد الزعامة القبلية والسياسية، فأضاع الاثنتين

أراد الزعامة القبلية والسياسية، فأضاع الاثنتين

بقلم المقدم/ مالك بلعليمي الجابري
الاربعاء 28 اكتوبر 2026

لطالما كان للمقدّم والشيخ والزعيم القبلي في حضرموت دورٌ اجتماعي وقبلي معروف، ارتبط بمسؤولياته تجاه قبيلته وجماعته، وكان يُنتظر منه أن يكون مرجعًا لحل الخلافات، وجامعًا للكلمة، ومصلحًا بين المتخاصمين، وحاميًا للحقوق، وساعيًا في قضاء الحاجات، وحافظًا للروابط الاجتماعية، وصوتًا حكيمًا يلجأ إليه الناس عند الشدائد. وكانت مكانة هذه الشخصيات تُكتسب بما تقدّمه من خدمة، وما تتحلّى به من حكمة وحنكة، وما تبذله من جهد في سبيل جمع الصف وتوحيد الكلمة، لا بما تحققه من مكاسب شخصية أو سياسية.

لكن يبدو أن هذا الدور قد انحرف لدى بعضهم عن مساره الصحيح، حتى أصبح التنافس على المناصب القبلية، رغم ما تحمله من أعباء وتكاليف ومسؤوليات، مدفوعًا في بعض الأحيان بمصالح شخصية وطموحات سياسية، لا بالرغبة في خدمة القبيلة وصون وحدتها.

فبدلًا من أن يظلّ المقدّم أو الشيخ مرجعًا جامعًا لأبناء قبيلته على اختلاف آرائهم وتوجهاتهم، أصبح بعضهم يوظّف مكانته القبلية للدخول في دهاليز السياسة والأحزاب والمجالس والمرجعيات المتنافسة، منحازًا إلى هذا الطرف أو ذاك، ومتبنيًا توجهات قد لا تعبّر بالضرورة عن إرادة قبيلته أو مصالحها.

وكما يُقال في المثل : «صاحب المهرتين كذّاب»، فقد حاول بعض المقادمة والشيوخ الجمع بين الدور القبلي والدور السياسي، فانتهى بهم الأمر إلى الإخفاق في كليهما. فلا هم حافظوا على مكانتهم بوصفهم مرجعيات جامعة لقبائلهم، ولا هم امتلكوا من الخبرة السياسية ما يؤهلهم للقيام بدور سياسي مؤثر يخدم حضرموت وأهلها.

ولم يعد المشهد اليوم خافيًا على أحد؛ إذ أصبحنا نرى بعض الشيوخ والمقادمةفي لجان سياسية وأحزاب ومجالس وتكتلات متنافسة، يدعم كلٌّ منهم طرفًا أو مشروعًا، في ظلّ حسابات تتداخل فيها المصالح والنفوذ والوعود بالمناصب. والمشكلة ليست في أن يكون للشيخ أو المقدّم رأي سياسي أو موقف وطني، فهذا حقٌّ لا يُنكر، وإنما تكمن المشكلة حين تتحول مكانته القبلية إلى وسيلة لجرّ قبيلته خلف خياراته الشخصية، أو حين يُقدّم ولاءه السياسي على مسؤوليته في الحفاظ على وحدة جماعته وتماسكها.

فالشيخ أو المقدّم، بحكم موقعه الاجتماعي، يفترض أن يكون مظلةً تتسع لجميع أبناء قبيلته، لا رايةً حزبية ينقسمون تحتها إلى موالٍ ومعارض، ولا أداةً تُستخدم في صراعات الآخرين لتحقيق مكاسب لا تعود بالنفع على أبناء القبيلة. ومن حقّه أن يمارس قناعاته السياسية بصفته الشخصية، لكن ليس من حقّه أن يفترض أن قبيلته بأكملها ملزمة باتباع تلك القناعات، أو أن يجعل اختلاف أبنائها معه سببًا للتهميش أو الخصومة أو تفكك الصف.

لقد أدرك السياسيون أن الوصول إلى القبائل والتأثير في مواقفها يصبح أسهل حين ينجحون في استقطاب رؤوسها ومرجعياتها. فبدلًا من مخاطبة أفراد القبيلة واحدًا واحدًا، يكفي أحيانًا استمالة مقدّمها أو شيخها، ثم ترك البقية لتأثير المكانة الاجتماعية والروابط القبلية. وهكذا يتحول الرجل الذي يُفترض أن يكون حارسًا لوحدة قبيلته إلى بوابةٍ تُستغل لجرّ أبنائها نحو اصطفافات سياسية قد لا يختارونها جميعًا عن قناعة.

ومن هنا تبدأ رحلة التحوّل من المقدّم القبلي إلى المقدّم السياسي؛ رحلةٌ قد تبدأ بوعود النفوذ والمناصب، وتنتهي بتصدّع العلاقات بين أبناء القبيلة، وانقسام مجالسهم، وتباعد مواقفهم، وتراجع قدرتهم على الاجتماع حول مصالحهم المشتركة. ومع مرور الوقت، تصبح الخلافات السياسية سببًا في خصومات اجتماعية، وربما في قطيعة بين الأقارب وأبناء العمومة، بعدما كانت القبيلة تمثل إطارًا للتكافل والتناصر والتعاون.
لقد بات من النادر، في بعض المشاهد القبلية، أن نجد ذلك التماسك الذي طالما سمعنا عنه من الآباء والأجداد، حين كانت الكلمة الجامعة والمصلحة المشتركة تتقدمان على الخلافات الفردية. ولا ينبغي أن نحمّل السياسة وحدها مسؤولية كل ما أصاب النسيج القبلي من ضعف، لكن من الإنصاف القول إن استغلال المكانة القبلية في الاستقطاب السياسي أسهم في تعميق بعض الانقسامات وإضعاف الروابط التي كانت تجمع الناس.

إن القبيلة ليست ملكًا لشيخها أو مقدّمها، وليست رصيدًا سياسيًا يحق له التصرف فيه كما يشاء، بل هي كيان اجتماعي يضم رجالًا وأجيالًا ومصالح وحقوقًا، وتاريخًا من العلاقات والمسؤوليات المشتركة. ومكانة الشيخ أو المقدّم تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وأمانة قبل أن تكون نفوذًا، ومسؤولية تقتضي منه أن يسمو فوق المصالح الضيقة، وأن يحافظ على وحدة جماعته حتى عندما تختلف آراؤهم السياسية.

والخلاصة أن بعض المقادمة والشيوخ قد أضاعوا قبائلهم في سبيل السياسة، دون أن يحققوا لحضرموت مكسبًا يوازي ما أحدثوه من انقسام. فلم يحافظوا على دورهم القبلي كما ينبغي، ولم يتحولوا بالضرورة إلى سياسيين مؤثرين قادرين على خدمة البلاد والعباد؛ فخسروا ثقة بعض أبناء قبائلهم، وتركوا المجال للفرقة والتشرذم، وانشغلوا بصراعات قد تتجاوزهم وتستمر بعدهم.

إن حضرموت اليوم بحاجة إلى مقادمة وشيوخ يجمعون ولا يفرّقون، ويصلحون ولا يؤججون الخلافات، ويقدّمون مصالح مجتمعاتهم على حساباتهم الخاصة. بحاجة إلى من يدرك أن قوة القبيلة ليست في عدد المؤيدين لهذا الحزب أو ذاك، بل في تماسك أبنائها، وقدرتهم على التفاهم والتعاون والدفاع عن حقوقهم المشتركة.

فليمارس كل إنسان قناعاته السياسية كما يشاء، وليختر ما يراه مناسبًا من مواقف وتوجهات، لكن ليترك للقبيلة حقها في الاختلاف، وليحفظ لها وحدتها، وألا يجعل من مكانته القبلية وسيلةً لفرض خياراته على الآخرين.

إنها بالفعل حالة من اختلاط الحابل بالنابل؛ حين تختلط مسؤولية القبيلة بمطامع السياسة، وتضيع الحدود بين خدمة الناس وخدمة المصالح، فيجد المقدّم نفسه في نهاية المطاف بلا قبيلة متماسكة تقف خلفه، وبلا مشروع سياسي حقيقي ينهض به.

وعندها لا يكون قد خسر منصبًا فحسب، بل خسر معها تقدمته وزعامته في عيون ابناء قبيلته

إغلاق