حين تموت الأمانة ويُدفن حب الوطن مع أصحاب الضمائر الحية
بقلم / رمزي الجابري
الاربعاء 28 اكتوبر 2026
قد يكون الموضوع طويل شوي بس مافي الخاطر أكثر يأتي في زمنا هذا الذي كثرت فيه الصراعات الداخلية وتعددت فيه الخلافات من أعلى هرم السلطة إلى أدنى مستويات المسؤولية أصبح المواطن يتساءل بحسرة أين ذهبت الأمانة وأين اختفى الشعور بالمسؤولية وأين ذهب حب الوطن الذي كان يتغنى به الآباء والأجداد رحم الله الميت منهم واطال في عمر الحي
يبدو أن الأمانة وحب الوطن والإخلاص في العمل قد رحلت مع أصحابها من أهل المواقف والضمائر الحية وبقيت المناصب تتبدل والمسميات تتغير بين لحظة وحين بينما معاناة المواطن مستمرة بل تزداد يوما بعد يوم
مجرد صراعات على المناصب والمواطن يدفع الثمن
ومن المؤلم أن ترى مسؤولين سواء عسكريين أو مدنيين ينشغلون بالصراعات السياسية وتبادل الاتهامات والتغريدات حول الحروب والأحداث الكبرى بينما المواطن الذي يقعون تحت مسؤوليتهم وتحت سياسة عملهم يعاني من الفقر وغلاء المعيشة وتدهور الخدمات وضيق الحياة
يا أخي قبل أن تتحدث عن سياسة البلاد وتنتقد الآخرين انظر إلى سياسة عملك أولا وتقنها وانظر إلى الناس الذين ائتمنوك على مصالحهم هل أديت واجبك تجاههم هل خففت من معاناتهم هل حفظت حقوقهم وهل شعرت يوما أنك مسؤول عن أرواح الناس وأرزاقهم ومستقبلهم
المسؤولية عند الي يعرف قيمتها ليست كرسيا يجلس عليه ولا منصبا يتفاخر به ولا فرصة لتحسين أوضاعه الشخصية على حساب الآخرين بل هي أمانة عظيمة سيسأل عنها أمام الله يوم القيامة
اي مسؤول يتولى شؤون الناس هو مؤتمن على حقوقهم ومصالحهم وكل موظف يتقاضى راتبه من أجل أداء عمل معين مطالب بأن يؤديه بإخلاص وأمانة لا أن يجعل الوظيفة طريقا لخدمة أقاربه وأصحابه ومصالحه الخاصة فقط
الوظيفة أمانة وليست ميراثا عائليا
ومن أكثر ما يوجع القلب أن تتحول بعض الوظائف إلى فرص للمحسوبية والمجاملة وتقديم الأقارب على أصحاب الكفاءة والتخصص ونجار مسؤول على حدادين والحداد مسؤول على نجارين وسق على البعير زي ما قال المثل
ونجد أنه تم تعيين او تكليف شخص في موقع لا يناسبه ليش لنه قريبه مسؤول أو أن له نفوذا بينما يترك صاحب الكفاءة بعيدا عن المكان الذي يستطيع أن يخدم فيه وطنه ومجتمعه
الكل يشوف الان الوظائف أصبحت وسيلة لتحسين حياة المسؤول وأبنائه فقط فيدرس أبناءه في أفضل المدارس والجامعات ويؤمن مستقبلهم ويضمن لهم حياة كريمة ثم يترك بقية أبناء الناس يصارعون الفقر والبطالة وغلاء المعيشة
زي مقال المثل الشعبي
(تان لبنها لولدها بس )
لا أحد يعترض على أن تهتم بأبنائك وتحسن مستقبلهم فهذا حق طبيعي لكل أب ولكن المشكلة ان يكون ذلك على حساب حقوق الآخرين أو باستغلال المنصب أو التفريط في الأمانة
أصلح مستقبل أبنائك كما تشاء ولكن لا تبن مستقبلهم على حساب مستقبل أبناء الناس
وأصلح ما تحت يدك قبل أن تتحدث عن إصلاح البلاد
والمثل الشعبي يقول
(ماحد يسوي سقايه وأهل دارة ضماء)
والعجيب تلاحظ أن البعض يتحدثون ويطالبون بتغيير السياسات الكبرى ويعلنون مواقفهم السياسية ليل نهار بينما قد تكون أبسط الأمور في نطاق مسؤولياتهم غائبة عن الإصلاح
(الجمل ما يشوف عوجة رقبته)
يتحدث عن بناء الدولة وهو لا يستطيع تنظيم العمل في إدارته وقد يتحدث عن العدالة وهو لا ينصف الموظفين الذين يعملون تحت إدارته وقد يرفع شعار الإصلاح وهو لا يستطيع إصلاح الخلافات داخل محيطه القريب
يا أخي اهتم بما هو تحت يدك قبل أن تنشغل بما هو في أيدي الآخرين أصلح إدارتك وأدِّ واجبك واحفظ حقوق الناس وخفف معاناتهم وبعدها تحدث عن الإصلاح والسياسة كما تشاء
لو أن كل مسؤول في بلادنا أصلح مؤسسته وكل مدير أدى واجبه وكل موظف احترم عمله وكل صاحب سلطة امتنع عن استغلال نفوذه لأصبح الإصلاح واقعا ملموسا عشناه على الواقع
اقتنعنا أن تبديل المسؤولين لا يعني تغيير الواقع
كم شفنا من تغيير مسؤول وتعيين آخر فأملنا أن تتحسن الأوضاع وأن يجد الناس من يشعر بمعاناتهم ويعمل على تخفيفها ولكن تمر الأيام وتتكرر المشكلات نفسها وربما تزداد الأعباء
(ولازال عبود هو ذاك هو ماشي انقلب في عبود)
المشكلة الكبيرة في غياب المحاسبة وضعف الرقابة وغياب معايير الكفاءة والنزاهة كلين يعمل الي برأسه
والى هنا ونقول نحن لا نبحث عن مسؤول يتقن الكلام ولا عن شخصية تجيد إطلاق الوعود ولا عن شخص يملأ وسائل التواصل بالتصريحات وساعه في كرفته وساعه في صارون بو قاروره نريد مسؤولا يعمل ويحاسب نفسه ويقبل النقد ويقدم للناس ما يستطيع تقديمه من خدمات وحلول حقيقية تخفف من معاناه الناس وليس من المنطق أن يتحدث الإنسان عن إنقاذ البلاد بينما يساهم في إفساد العمل الذي يقع تحت مسؤوليته ويتجاهل معاناة الناس الذين يعيشون تحت إدارته المواطنين اليوم بحاجة إلى الأمن والاستقرار والعمل والخدمات والعدالة وفرص الحياة الكريمة أكثر من حاجتهم إلى مزيد من الصراعات التي لا تنتهي
المواطن اصبح عاجزا عن توفير احتياجات أسرته
هل فقدنا الأمل في الإصلاح؟
أم أننا أصبحنا بحاجة إلى معجزة تغير أحوالنا وتعيد إلينا ضمائرنا أو ننتظر المهدي






