اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

أمريكا وإيران: عدوّان في العلن… وشعوب المنطقة تدفع الثمن

أمريكا وإيران: عدوّان في العلن… وشعوب المنطقة تدفع الثمن

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
14 اكتوبر 2026

لا يحتاج الصراع الأمريكي–الإيراني إلى حرب شاملة كي يفرض كلفته على المنطقة. يكفي أن تبقى أبواب الحرب مواربة: تهديدٌ يتبعه استنفار، وصاروخٌ ترد عليه رسائل، ومفاوضاتٌ تتعثر ثم تعود. وبين جولة وأخرى، ترتفع المخاوف وأسعار النفط، وتُعاد صياغة التحالفات، فيما تبقى الشعوب أقرب إلى خط النار من طاولة القرار.

في هذا الصراع، لا تبدو المواجهة العسكرية حتمية بقدر ما تبدو إدارةً مستمرة للتهديد. واشنطن توظف الخطر الإيراني في حسابات الردع والنفوذ وتسليح الحلفاء، وطهران توظف العداء الخارجي في خطاب «الصمود» وتعبئة الداخل. ولا يعني ذلك أن الطرفين يديران مؤامرة مشتركة أو يتفقان سرًا على كل تصعيد؛ لكن تلاقي بعض المصالح في استمرار التوتر يطرح سؤالًا صعبًا: من الذي يخسر حين يبقى الصراع بلا حسم؟

واشنطن لا تحتاج دائمًا إلى حرب مفتوحة كي تثبت حضورها؛ فاستمرار التهديد يبرر تعزيز القوات، وتوسيع الشراكات الأمنية، وإبقاء المنطقة ضمن حساباتها. وطهران لا تحتاج إلى انتصار عسكري شامل كي تسوّق خطابها؛ يكفي أن تقدم نفسها بوصفها محاصرة ومهددة، وأن تربط أزماتها الداخلية بمعركة خارجية طويلة. وهكذا يصبح الخوف أداة سياسية لدى الطرفين، وإن اختلفت دوافعهما ووسائلهما.

وقد تناولتُ هذه الدورة في مقالات سابقة، منها «حوار الطرشان (2): لعبة القطّة والفأر الأمريكية الإيرانية… إلى أين؟» في 27 أبريل 2026، و**«الشيطان الإيراني هو التفاصيل»** في 25 مايو 2026، ثم «حوار الطرشان مستمر… وتوم وجيري في مضيق هرمز» في 29 مايو 2026، و**«إيران بعد الحرب… هل تغيّر المشروع أم غيّر جلده؟»** في 26 يونيو 2026. وتلتقي هذه المقالات عند سؤال واحد: هل تقود المفاوضات إلى إنهاء الصراع، أم تصبح محطةً في دورة متكررة من التفاوض والتهديد والتصعيد والتهدئة؟

لكن أخطر ما في هذه المعادلة أن التصعيد لا يبقى محصورًا بين واشنطن وطهران. فكل تهديد في الخليج ينعكس على أسواق الطاقة، وكل اضطراب قرب مضيق هرمز يرفع كلفة التأمين والنقل، وكل مواجهة مؤجلة تفتح الباب أمام ساحات أخرى كي تتحول إلى أوراق ضغط. وليس كل تصعيد بالضرورة خطوةً محسوبة أو قابلة للضبط؛ فالأزمات قد تنفلت من الحسابات التي بدأت بها، وتجرّ المنطقة إلى نتائج لم يقصدها أحد.

ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصل المواجهة عن اليمن والبحر الأحمر وباب المندب. فحين تتسع المنافسة الإقليمية، تصبح الجبهات المحلية جزءًا من رسائل أكبر، ويغدو السلاح والحوثيون والممرات البحرية عناصر في ميزان الضغط. وقد تناولتُ هذا البعد في «اليمن بعد الحوثي… أم اليمن مع الحوثي؟ أين تقع حضرموت في الصفقة الكبرى القادمة؟» في 4 سبتمبر 2026، و**«الشعرة التي قصمت الحوثي»** في 8 سبتمبر 2026، ثم «السعودية تستعد لهجوم واسع لاستعادة باب المندب» في 2 أكتوبر 2026؛ وهي مقالات تربط بين مستقبل اليمن، وأمن البحر الأحمر، وموقع باب المندب في صراع النفوذ الإقليمي.

وهذا امتدادٌ لما حذّرتُ منه في مقالات أسبق: «حضرموت ليست ذراعًا لأحد… ولن تكون ساحة لحروب الغير» في 28 يوليو 2025، و**«من مسرحية تسليم صنعاء إلى تفتيت اليمن… وحضرموت تحت راية التوحيد»** في 26 سبتمبر 2025. فالجغرافيا اليمنية، من الموانئ إلى الممرات البحرية، لا ينبغي أن تتحول إلى أوراق تفاوض في يد القوى الخارجية، ولا أن يُترك اليمنيون يدفعون ثمن معارك لم يختاروا توقيتها ولا يملكون قرار إيقافها.

وهنا تتضح أهمية موقف المملكة العربية السعودية بوصفها قوة توازن تسعى إلى حماية أمنها واستقرار المنطقة، وتفادي حرب مفتوحة تستنزف الدول والشعوب. فالقوة ليست في إشعال المواجهة، بل في منعها من ابتلاع المنطقة، وإدارة الأزمات من موقع القدرة، مع إبقاء أبواب الحل السياسي مفتوحة.

إن القول إن أطرافًا تستفيد من استمرار التوتر لا يكفي وحده لإثبات أنها تصنعه أو تتحكم بكل تفاصيله. لكن كلفة هذا التوتر لا تتوزع بالتساوي: قادة يفاوضون، وأسواق تتقلب، وصفقات تتوسع، فيما يدفع المدنيون ثمن القلق والنزوح وتعطل التنمية. لذلك لا ينبغي أن ننشغل فقط بالسؤال: هل ستقع الحرب؟ بل علينا أن نسأل أيضًا: من يملك قرار إشعالها، ومن يملك قرار إيقافها، ومن يُترك ليدفع ثمنها؟

إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من «إدارة الخوف»، بل إلى كسر الحلقة التي تجعل كل تهدئة استراحةً لتصعيد جديد. وأي تسوية لا تعالج جذور النفوذ والسلاح، وتترك الشعوب رهينةً للوكالة والابتزاز، لن تكون نهايةً للصراع؛ ستكون فصلًا مؤجلًا من حرب يدفع ثمنها العرب، من الخليج إلى باب المندب.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق