اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

رسالة إلى كل محامٍ يحمل ميزان العدالة بيد، ويبيع ضميره باليد الأخرى!

رسالة إلى كل محامٍ يحمل ميزان العدالة بيد، ويبيع ضميره باليد الأخرى!

بقلم / أ. علي عباس بن طالب
الاثنين 12 اكتوبر 2026

*طلب مني أحد الإخوة أن أُسلِّط الضوء على قضية في غاية الأهمية، قضية تمسُّ العدالة والضمير والأمانة، وهي مهنة المحاماة، وما قد يشوبها من ممارسات حين يتحول بعض المحامين من حماةٍ للحقوق إلى مدافعين عن الباطل من أجل المال!*

*وهنا لا بد أن نكون منصفين؛ فالمحاماة مهنة شريفة، والمحامون الأمناء لهم كل التقدير والاحترام، ولكن حديثنا اليوم عن أولئك الذين يعلمون حقيقة موكليهم، ويدركون أنهم اعتدوا على حقوق الناس أو ظلموهم، ثم يسخّرون علمهم وحججهم ومهاراتهم لإضاعة حقوق المظلوم، لا بحثًا عن الحقيقة، بل طمعًا في أتعاب القضية!*

*يا من جعلت المحاماة مهنتك، تذكّر أن المال الذي يدخل جيبك ليس دائمًا رزقًا طيبًا، وأن الانتصار في قضية لا يعني أنك انتصرت للحق!*

*قد تكسب القضية أمام المحكمة، وقد تُسقط حجة خصمك بمناورة قانونية، وقد تؤخر صدور الحكم، وقد يجد المظلوم نفسه عاجزًا عن استرداد حقه؛ لكن هل تستطيع أن تنتصر على ضميرك؟ وهل تستطيع أن تشتري راحة بالك إذا كنت تعلم أنك ساهمت في ضياع حق إنسان لا يملك المال الذي يملكه خصمك؟*

*قال رسول الله ﷺ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»! فلما قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ»، أي تمنعه من الظلم ، رواه البخاري.*

*تأملوا هذا التوجيه النبوي العظيم! لم يأمرنا الإسلام بأن نناصر الظالم لأنه قريب أو صديق أو صاحب مال، بل جعل نصرته الحقيقية في منعه من ظلمه.*

*فإذا كان المسلم مأمورًا بأن يمنع أخاه الظالم من الظلم، فكيف بمن يعرف أن موكله اعتدى على أموال الناس أو أكل حقوقهم، ثم يستخدم علمه ليعينه على الاستمرار في ظلمه؟*

*إن نصرة الظالم ليست أن تساعده على الإفلات من الحق، وإنما أن تمنعه من التمادي في الباطل، وأن تدله على رد المظالم إلى أهلها.*

*تخيّلوا معي هذا المشهد المؤلم! إنسان بسيط، قضى سنوات عمره يجمع المال، أو ورث أرضًا عن أبيه، أو أقرض شخصًا مبلغًا يحتاج إليه، أو دخل في شراكة ظن أنها قائمة على الأمانة والثقة.*

*ثم يُفاجأ بأن حقه قد ضاع، فيطرق أبواب القضاء بحثًا عن الإنصاف، يبيع ما يملك، ويستدين من أقاربه، ويستعين بمن يستطيع، حتى يتمكن من توكيل محامٍ يدافع عن حقه.*

*وفي الجهة الأخرى، قد يجد خصمًا يملك المال والنفوذ، ويستطيع دفع أتعاب محامٍ خبير بالقانون.*

*وهنا تبدأ المعركة التي يخشاها كل مظلوم: معركة طويلة تستنزف المال والأعصاب، ويظل خلالها صاحب الحق يردد: متى أستعيد حقي؟*

*كم من مظلوم بات مهمومًا، وكم من أبٍ عجز عن توفير احتياجات أطفاله، وكم من أرملة انتظرت حقًا يعينها على الحياة، وكم من إنسان أرهقه الدين بسبب حق لم يستطع استرداده!*

*فإذا كان المحامي يعلم حقيقة الظلم، ثم اختار أن يسخّر خبرته لتضليل العدالة أو إخفاء الحقيقة أو إطالة النزاع بلا مسوغ، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف مهني؛ بل يصبح سؤالًا أخلاقيًا خطيرًا عن الأمانة والضمير والمسؤولية.*

*يامن تأخذ أتعابك من جيب موكلك، لا تجعل أتعابك ثمنًا لحق إنسان آخر!*

*لكن انتبهوا: الدفاع عن المتهم ليس دفاعًا عن الجريمة! ومن الإنصاف أن نوضح أمرًا مهمًا: ليس كل محامٍ يتولى قضية شخص متهم أو مختلف معه على حق يُعدّ معينًا على الظلم.*

*فقد يكون المتهم بريئًا، وقد تكون الأدلة غير كافية، وقد يكون صاحب الحق الحقيقي هو من يظنه الناس ظالمًا، ومن واجب المحامي أن يحمي حقوق موكله، ويختبر الأدلة، ويضمن سلامة الإجراءات، ويمنع الإدانة بغير حق.*

*فالمحامي الشريف لا يُدان لأنه دافع عن متهم، وإنما تُنتقد الممارسة حين تتحول إلى غش أو تزوير أو تضليل متعمد أو إعانة على انتهاك الحقوق.*

*الفرق كبير بين محامٍ يدافع عن حق موكله وفق القانون، ومحامٍ يعلم بوجود ظلم ثم يتعمد صناعة الباطل لإضاعـة حق الغير.*

*الأول يؤدي رسالة مهنية نبيلة، والثاني يعرّض ضميره وأمانته للمساءلة.*

*هل سألتزم بالحقيقة، أم سأبحث عن وسيلة لإخفائها؟ هل سأستخدم علمي لتحقيق العدالة، أم سأجعله سلاحًا في يد من يريد الاستمرار في ظلمه؟ هل أقبل أن يحدث ما أفعله اليوم بأبي أو أخي أو ابني أو بأحد أحبتي؟*

*تذكّر أن أتعابك قد تنتهي بانتهاء القضية، وأن اسمك قد يُنسى مع مرور الأيام، لكن أثر الظلم قد يبقى في قلب المظلوم سنوات طويلة.*

*قد تنسى أنت القضية بعد أن تتقاضى أتعابك، لكن صاحب الحق قد لا ينساها؛ لأنه خسر بسببها أرضًا أو مالًا أو استقرارًا أو سنوات من عمره.*

*فلا تجعل فرحة موكلك بانتصار غير مشروع سببًا في انكسار إنسان بريء! ولا تجعل حاجتك إلى المال مبررًا للتنازل عن المبادئ، فالإنسان قد يخسر صفقة ويعوضها، وقد يخسر مالًا ويكسب غيره، لكن حين يبيع ضميره، فإنه يخاطر بشيء لا يُقدَّر بثمن.*

*رسالة إلى نقابات المحامين والجهات القضائية .. إن صيانة مهنة المحاماة مسؤولية مشتركة؛ تبدأ من أخلاق المحامي، وتمتد إلى دور النقابات المهنية والجهات القضائية في ترسيخ قواعد النزاهة، ومحاسبة التجاوزات التي تثبت بالأدلة، وحماية حق كل إنسان في دفاع عادل ومحاكمة منصفة.*

*نريد محاميًا يقف أمام الظلم، لا محاميًا يصنع له غطاءً، نريد محاميًا يحترم القانون، لا من يبحث عن ثغرة ليحوّلها إلى وسيلة للغش، نريد محاميًا يطمئن إليه المظلوم، ويثق به المتهم، وتحترمه المحكمة، ويشهد له المجتمع بالأمانة.*

*فالمحاماة ليست مجرد مهنة لتحصيل الأتعاب؛ إنها مسؤولية قانونية وأخلاقية، وركن مهم في حماية الحقوق وتحقيق العدالة.*

*فليس كل من كسب قضيةً قد كسب العدالة، وليس كل من خسر قضيةً قد خسر الحق.*

*قد تعجز يد المظلوم عن الوصول إلى حقه، وقد تضيق به الأرض بما رحبت، وقد ينام الناس مطمئنين بينما ينام هو مهمومًا لا يعرف كيف يستعيد ما سُلب منه.*

*لكن الله لا تخفى عليه خافية، وهو سبحانه الذي أمر بالعدل ونهى عن الظلم، وكل إنسان مسؤول عن أفعاله وما يترتب عليها.*

*إلى المحامي الشريف: ارفع رأسك، فأنت تحمل رسالة عظيمة، وإلى من يعلم أنه يعين على الظلم: راجع نفسك قبل أن تراجع ملفاتك، وصحح طريقك قبل أن تتراكم عليك المظالم، فباب التوبة ورد الحقوق مفتوح.*

*المال يُحصى، والأتعاب تُقبض، والقضايا تُغلق، لكن الضمير لا ينبغي أن يُباع، وحقوق العباد ليست مجالًا للمساومة!*

*سؤال للنقاش: هل ترى أن المحامي الذي يعلم أن موكله ظالم ينبغي أن يترك القضية، أم يستمر في الدفاع عنه مع الالتزام بالقانون ورفض أي تضليل أو غش؟ وأين ينتهي حق الدفاع المشروع ويبدأ التعاون على الظلم؟*

إغلاق