نقرأ.. ولكن كيف؟ ( 2 ) في صحبة الكتاب وصناعة الوعيلا تمرُّ على الكتاب.. بل حاوره !نقرأ.. ولكن كيف؟ ( 2 )
بقلم الدكتور / أحمد باصهي
أكاديمي وباحث في علم الاجتماع الإداري
انتهينا في الحلقة الأولى إلى سؤال يبدو بسيطًا، لكنه ربما كان جوهر المسألة كلها:
كيف نقرأ الكتاب بحيث لا نمر عليه فحسب، بل يمر هو أيضًا في عقولنا، ويترك شيئًا منه فينا؟
فالقراءة ليست مجرد انتقال العين من أول الصفحة إلى آخرها، ولا سباقًا للوصول إلى الغلاف الأخير. إنها، في صورتها الأعمق، لقاء بين عقلين: عقل الكاتب الذي أودع الكتاب تجربته وفكرته، وعقل القارئ الذي يستقبلها ويفحصها ويحاورها ويعيد تركيبها في ضوء خبرته وأسئلته.
ومن هنا تبدأ القراءة التي تصنع الوعي.
لا تمر على الكتاب.. بل حاوره
هنا يبدأ الفرق بين القراءة العابرة والقراءة التي تصنع معرفة.
حين تقرأ فكرة تستوقفك، توقف عندها. ضع تحتها خطًا، أو اكتب ملاحظة في الهامش، أو سجلها في دفتر. وإذا أثارت لديك سؤالًا فلا تدعه يمر.
اسأل الكاتب:
ماذا يريد أن يقول؟
ما حجته؟
وما دليله؟
هل أقنعني؟ ولماذا؟
هل توجد زاوية أخرى للنظر إلى المسألة؟
وكيف تتصل هذه الفكرة بما أعرفه من قبل؟
فالقراءة الحقيقية ليست خضوعًا للنص، وإنما حوار معه.
ولا ينبغي أن تتحول هيبة الكتاب، أو شهرة مؤلفه، أو قدم النص، إلى سبب لتعطيل العقل. فالكتاب، مهما علت مكانة صاحبه، يظل اجتهادًا بشريًا يُقرأ ويُفحص ويُناقش.
اقرأ بعقل منفتح، ولكن بعقل يقظ أيضًا.
فالكاتب يقدم لك عقله، لكنه لا يطلب منك أن تتخلى عن عقلك.
ولعل أعظم الكتب ليست تلك التي تمنحنا أجوبة جاهزة، وإنما تلك التي تجعل أسئلتنا بعد قراءتها أعمق من أسئلتنا قبلها.
أغلق الكتاب لكي تقرأه
قد تبدو العبارة متناقضة، لكنها من أنفع عادات القراءة.
بعد عدد من الصفحات، أغلق الكتاب للحظات، وارفع بصرك عنه، وحاول أن تستعيد ما قرأت.
ما الفكرة الرئيسة؟
ماذا بقي في ذاكرتك؟
هل تستطيع أن تشرح ما قرأت لشخص آخر بلغتك أنت؟
وما السؤال الذي ولدته هذه الصفحات في ذهنك؟
إذا عجزت عن استعادة شيء، فقد تكون عيناك قد عبرتا الكلمات بينما كان ذهنك في مكان آخر.
وهنا يظهر الفرق بين أن تمر الكلمات أمامنا وأن تمر الأفكار فينا.
فالقراءة ليست حركة العين فوق السطور، وإنما حركة الفكرة داخل العقل.
وربما كانت اللحظات التي نرفع فيها أعيننا عن الكتاب، ونترك للفكرة أن تستقر وتتصل بما سبقها، جزءًا من القراءة لا يقل أهمية عن النظر في الكلمات نفسها.
فالكتاب لا يُقرأ بالعين وحدها؛ وإنما بالذاكرة والتأمل والسؤال أيضًا.
من القراءة إلى الكتابة
ومن أفضل الطرق لمعرفة إن كنا قد فهمنا ما قرأنا أن نحاول كتابته.
بعد فصل مهم، دوّن بضعة أسطر تجيب فيها عن أسئلة بسيطة:
ماذا قال الكاتب؟
ماذا فهمت أنا؟
أين أتفق معه وأين أختلف؟
وماذا أضاف إلى معرفتي؟
عندما نحاول صياغة الفكرة بلغتنا، نكتشف سريعًا إن كنا قد فهمناها فعلًا أم كنا نتوهم الفهم.
فالعبارة التي تبدو واضحة ونحن نقرؤها قد تصبح عصية حين نحاول شرحها. وهنا تكشف الكتابة مواطن الغموض في فهمنا، وتجبرنا على إعادة ترتيب الفكرة وربط مقدماتها بنتائجها.
ولهذا فإن الكتابة ليست نشاطًا يأتي بعد القراءة فحسب؛ إنها امتداد لها، وربما كانت الكتابة قراءة ثانية أكثر عمقًا.
ثم تحدث عما قرأت. ناقش الكتاب مع صديق، واكتب عنه، أو قدم مراجعة لأفكاره. فحين نحاول شرح فكرة للآخرين نضطر إلى إعادة تنظيمها وفحصها، فنكتشف فيها أبعادًا ربما لم ننتبه إليها أثناء القراءة الأولى.
والكتاب الجيد لا تنتهي علاقتنا به عند الصفحة الأخيرة؛ بل ربما تبدأ علاقته الحقيقية بنا بعد أن نغلقه.
والذكاء الاصطناعي.. هل يغنينا عن القراءة؟
هذا سؤال يفرضه عصرنا.
إذا كان بإمكان أداة ذكية أن تلخص لنا كتابًا من مئات الصفحات في دقائق، فلماذا نقرأه؟
قد يبدو السؤال وجيهًا، خصوصًا في زمن تتسارع فيه الحياة ويصبح الوقت أكثر ندرة، لكن الإجابة تكمن في فهمنا للغاية من القراءة نفسها.
فالملخص قد يخبرك ماذا قال الكتاب، لكنه لا يستطيع أن يخوض رحلة القراءة نيابة عنك.
هناك فرق بين أن تعرف خلاصة فكرة، وبين أن تشاهد كيف بناها صاحبها؛ كيف انتقل من مقدمة إلى نتيجة، وكيف أقام حجته، وأين أصاب وأين أخفق، وكيف أثارت في أثناء الطريق أسئلتك أنت.
فالطريق إلى الفكرة ليس دائمًا حشوًا يمكن الاستغناء عنه؛ أحيانًا يكون الطريق نفسه هو الذي يدرب العقل على فهم الفكرة.
ويمكن للذكاء الاصطناعي والتقنية عمومًا أن يكونا معينًا رائعًا للقارئ: يساعدانه على البحث، وتفسير المصطلحات، والمقارنة، وفتح أبواب جديدة للمعرفة. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الأداة التي يفترض أن تساعد العقل إلى بديل يعفي العقل من العمل.
فالغاية من القراءة ليست الحصول على ملخص الكتاب فقط، وإنما أن نتدرب، أثناء الرحلة إليه، على التركيز والتحليل والمقارنة والنقد وبناء المعنى.
ولعل السؤال في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد: هل نستخدم التقنية أم لا؟
بل: هل نستخدمها لتوسيع قدرتنا على التفكير، أم نستخدمها لكي تفكر بدلًا منا؟
كم كتابًا قرأنا؟
ربما كان هذا أقل الأسئلة أهمية.
لقد تحول عدد الكتب عند بعض الناس إلى نوع من الاستعراض: خمسون كتابًا في العام، مئة كتاب، كتاب كل أسبوع…
لكن الكتاب ليس رقمًا في سباق.
قد يقرأ إنسان مئة كتاب ولا يتغير فيه شيء، ويقرأ آخر خمسة كتب بعمق فتتغير رؤيته إلى نفسه ومجتمعه والعالم.
القيمة ليست في عدد الصفحات التي مررنا عليها، وإنما في عدد الأفكار التي مرت بنا فتوقفنا عندها، ثم لم نعد بعدها كما كنا قبلها.
فالقراءة ليست جمعًا للكتب، ولا جمعًا للاقتباسات، ولا استعراضًا لأسماء المؤلفين.
القراءة بناء بطيء للإنسان.
كل كتاب جيد يضيف حجرًا إلى ذلك البناء؛ يوسع اللغة، ويعمق الفهم، ويهذب الذائقة، ويحرر الإنسان قليلًا من أسر تجربته المحدودة، فيطل من خلال تجارب الآخرين على عصور لم يعشها، وبلدان لم يزرها، وعقول لم يلتق أصحابها.
وقد يعيش الإنسان عمرًا واحدًا، لكن القراءة تمنحه شيئًا من أعمار الآخرين وتجاربهم.
وهنا نعود، من حيث ربما لا نشعر، إلى تلك الفكرة التي بدأنا بها رحلتنا في الحلقة الأولى: قول العقاد إن حياةً واحدة لا تكفي.
فالكتاب لا يضيف يومًا واحدًا إلى أعمارنا، لكنه قد يضيف إلى العمر الواحد من العمق ما يجعله أوسع من حدوده الزمنية.
ونعود كذلك إلى الجاحظ، الذي رأى في الكتاب رفيقًا لا يكاد يدانيه رفيق.
لكن الوفاء لهذه الصحبة لا يكون بوضع الكتاب على الرف، ولا بتقليب صفحاته على عجل، وإنما بأن ندخل معه في حوار؛ نسأله ويسألنا، نوافقه ونخالفه، ونخرج منه وقد اتسعت في داخلنا مساحة جديدة للفهم.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومات أكثر من قدرتنا على استيعابها، ربما لم تعد مهمة القراءة أن تجعلنا نعرف أكثر فحسب، وإنما أن تجعلنا نفهم أعمق، ونميز أفضل، ونسأل أذكى، ونحكم على الأشياء بوعي أكبر.
فلا تجعل غايتك أن تنتهي من الكتاب؛
اجعل غايتك أن يبدأ الكتاب شيئًا جديدًا فيك.
ولا تسأل نفسك دائمًا:
كم كتابًا قرأت؟
بل اسأل السؤال الأهم:
كم كتابًا بقي فيَّ بعد أن قرأته؟
——نهاية المقال———






