صحيفة: هل تنخرط سوريا في حرب اليمن؟
تاربة اليوم
2026-10-08 22:33:00
الخميس 08 اكتوبر 2026 – الساعة:13:33:26
(تاربة اليوم / العرب اللندنية)
لم تكن التقارير التي تحدثت عن احتمال انخراط سوريا في الحرب اليمنية معزولة عن سياق إقليمي متسارع، إذ جاءت بعد زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض ولقائه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وفي وقت تخوض فيه السعودية مواجهة عسكرية متصاعدة مع الحوثيين وتبحث عن دعم إقليمي ودولي لحماية أراضيها ومصالحها.
وأفادت رويترز، نقلاً عن مسؤول أميركي ومسؤول عسكري سوري مطلعين على الأمر، بأن دمشق تدرس بعناية تقديم مساعدة عسكرية للسعودية، وأن الخيارات المطروحة تشمل دعماً دفاعياً لحماية المملكة أو نشر قوات سورية لمساندة القوات اليمنية المدعومة من الرياض في مواجهة الحوثيين. وقال المسؤول الأميركي إن السعودية طلبت من سوريا نشر قوات لمحاربة الجماعة.
وتكتسب هذه التسريبات أهميتها من توقيتها. فقد وصل الشرع إلى الرياض الثلاثاء في زيارة رسمية، والتقى الأمير محمد بن سلمان، فيما قالت دمشق إن المحادثات تناولت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية وقضايا الأمن والاستقرار. وفي بيان لاحق، قالت الرئاسة السورية إن النقاشات ركزت أيضاً على إعادة الإعمار والاستثمار والتعاون الاقتصادي.
ولذلك لم يكن من الصعب أن تفتح الزيارة الباب أمام التكهنات بشأن دور سوري في الحرب، خصوصاً أن السعودية تخوض منذ أيام حملة عسكرية جديدة ضد الحوثيين، مع اعتمادها على قوات يمنية مدعومة منها في العمليات البرية، وإسناد جوي واستخباراتي. وكانت رويترز قد أفادت بأن الرياض تبحث خيارات لاستعادة مناطق استراتيجية على ساحل البحر الأحمر وباب المندب، في وقت اتسعت فيه دائرة الدعم العسكري الخارجي للمملكة.
لكن دمشق سارعت إلى وضع حد للتكهنات. فقد نفت ما وصفته بمزاعم انضمام سوريا إلى الحرب في اليمن، مؤكدة وقوفها إلى جانب السعودية في مواجهة التهديدات التي تستهدف أمنها واستقرارها، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن سياستها الإقليمية تقوم على الاستقرار والسلام والتعاون، لا على فتح جبهات جديدة.
لم يكن من الصعب أن تفتح الزيارة الباب أمام التكهنات بشأن دور سوري في الحرب، خصوصاً أن السعودية تخوض منذ أيام حملة عسكرية جديدة ضد الحوثيين
واللافت في الموقف السوري أن النفي لم يتخذ صيغة رفض مطلق لأي تعاون عسكري مع الرياض، إذ أكد أن أي تعاون من هذا النوع سيكون عبر القنوات الرسمية وفي إطار الاتفاقيات الثنائية القائمة. وهو ما يبقي، من الناحية السياسية، فارقاً بين رفض المشاركة في الحرب وبين إمكانية تقديم أشكال من الدعم للسعودية إذا تقررت عبر القنوات الرسمية.
هذا الفارق هو الذي يجعل التسريبات قابلة للنقاش حتى بعد النفي. فالمصادر التي تحدثت عن خيارات المساعدة لم تقل إن قراراً نهائياً اتخذ بإرسال قوات سورية، بل تحدثت عن خيارات قيد الدراسة. وبالتالي قد يكون ما جرى نقاشاً أولياً لم يصل إلى مرحلة القرار، أو بحثاً في طبيعة المساعدة التي يمكن أن تقدمها دمشق من دون الدخول المباشر في الحرب.
ويبدو هذا الاحتمال أكثر انسجاماً مع وضع سوريا الداخلي. فالدولة السورية لا تزال في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها وجيشها بعد سنوات طويلة من الحرب، بينما تؤكد القيادة أن إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي وترسيخ مؤسسات الدولة تمثل أولوية. وكان الشرع قد أكد في سبتمبر أن سوريا تدخل مرحلة تركز على إعادة البناء والتعافي والشراكات الدولية.
كما أن إرسال قوات سورية إلى اليمن سيحمل أبعاداً تتجاوز الحسابات العسكرية. فالجيش السوري الجديد لا يزال في طور دمج تشكيلات وفصائل كانت جزءاً من المعارضة المسلحة، فيما قد يؤدي الانخراط في حرب ضد الحوثيين إلى إدخال دمشق مجدداً في شبكة من الصراعات الإقليمية التي تحاول الابتعاد عنها.
لهذا تبدو المسافة كبيرة بين دعم السعودية سياسياً وأمنياً وبين إرسال قوات سورية للقتال في اليمن. وحتى التحليل الذي نقلته رويترز عن الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة إتش. إيه. هيلير يميز بين مساهمة دفاعية محدودة يمكن أن تحمل قيمة رمزية، وبين وجود قوات سورية على الأرض، معتبراً أن الخيار الثاني سيكون مسألة مختلفة تماماً بالنسبة إلى دمشق.
ويبقى السؤال الأهم ما إذا كان خروج هذه النقاشات إلى العلن قد أثر في حسابات دمشق. فمن الممكن أن تكون المشاركة العسكرية، أو بعض أشكالها، قد طرحت فعلاً في الاتصالات السعودية السورية، قبل أن تكشفها مصادر أميركية وسورية للإعلام، الأمر الذي دفع دمشق إلى إعادة ضبط الرسالة والإعلان بوضوح أن أولويتها ليست فتح جبهة جديدة.
قد يكون ما جرى نقاشاً أولياً لم يصل إلى مرحلة القرار، أو بحثاً في طبيعة المساعدة التي يمكن أن تقدمها دمشق من دون الدخول المباشر في الحرب
ولا يمكن الجزم بأن النفي يمثل تراجعاً عن قرار سابق، لأن المعطيات المتاحة لا تثبت وجود قرار سوري بالمشاركة. لكن الكشف المبكر عن الفكرة يمكن أن يكون قد ضيق هامش المناورة أمام دمشق، خصوصاً أن أي نشر للقوات السورية سيحولها من طرف داعم للسعودية إلى طرف مباشر في حرب إقليمية مفتوحة.
وهكذا لا تبدو المسألة محسومة بين نعم أو لا. فقد تكون دمشق درست خيارات للمساعدة، ثم اختارت إبقاء الدعم عند المستوى السياسي أو الدفاعي، وقد تكون فكرة نشر القوات طرحت ولم تتجاوز مرحلة النقاش، أو أن إعلانها علناً دفع إلى تجميدها.
في كل الحالات، تكشف الأزمة اختباراً مبكراً للعلاقة السورية السعودية الجديدة: إلى أي حد تستطيع دمشق دعم الرياض من دون أن تتورط في حرب لا تنسجم مع أولويتها المعلنة بإعادة بناء سوريا؟ وربما يكون النفي السوري هو، في هذه المرحلة، محاولة لرسم هذا الخط الفاصل بين التحالف السياسي والمشاركة العسكرية.
ومن هذه الزاوية، تصبح العلاقة مع السعودية اختباراً دقيقاً. فدمشق تحتاج إلى الرياض سياسياً واقتصادياً، وتحرص على تثبيت الشراكة معها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة استعدادها لتحويل هذا التقارب إلى التزام عسكري مفتوح. وفي المقابل، فإن قدرة السعودية على توفير الدعم لسوريا تجعل أي طلب عسكري منها ذا وزن سياسي أكبر من مجرد طلب مساعدة في جبهة خارجية.
لذلك فإن خروج فكرة المشاركة إلى العلن قد يكون قد فرض على دمشق إعادة تحديد حدود العلاقة. فقبل التسريبات يمكن أن تبقى الخيارات العسكرية ضمن دائرة النقاش المغلق، أما بعد ظهورها في الإعلام، فقد أصبح على الحكومة السورية أن توضح للرأي العام الداخلي والخارجي أن دعم السعودية لا يعني تلقائياً دخول الحرب.
ولا يمكن الجزم بأن النفي يمثل تراجعاً عن قرار سبق اتخاذه، إذ لا توجد معطيات تؤكد أن دمشق وافقت فعلاً على إرسال قوات. لكن احتمال أن تكون قد جمّدت أو أعادت تقييم خيار المشاركة بعد كشفه مبكراً يبقى أحد التفسيرات الممكنة للتباين بين ما نقلته المصادر عن وجود نقاشات عسكرية وبين الرسالة الرسمية السورية.
وبذلك لا يعود السؤال فقط: هل تنخرط سوريا في حرب اليمن؟ بل يصبح: أي سوريا تريد حكومة الشرع أن تكون في المنطقة؟ دولة تحاول بناء جيشها ومؤسساتها وتجنب الحروب، أم دولة تعود تدريجياً إلى شبكة التحالفات العسكرية الإقليمية وتتحمل أدواراً تتجاوز حدودها؟
حتى الآن، يبدو الموقف الرسمي أقرب إلى رسم حدود لهذا الدور: دعم السعودية والوقوف إلى جانب أمنها، مع إبقاء أي تعاون عسكري ضمن القنوات الرسمية، ورفض تحويل سوريا إلى طرف في جبهة جديدة. لكن الحرب اليمنية قد تكون أول اختبار فعلي لمدى قدرة دمشق على الحفاظ على هذه المعادلة بين التحالف العربي الجديد وسياسة تجنب التورط العسكري.






