اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

شبح الغش

شبح الغش

بقلم / عبدالله قاسم
الخميس 24 سبتمبر 2026

هناك أشياء لا يكمن عيبها في اقترافها فحسب، بل في أن نبدأ بالبحث لها عن الأعذار، ثم نمنحها، مع الوقت، شرعيةً لم تكن لها. والخطر لا يكمن دائمًا في الخطأ نفسه، بقدر ما يكمن في اعتياد رؤيته، ثم التعايش معه، ثم الدفاع عنه وكأنه حقٌّ مكتسب.

ولعل الغش واحدٌ من تلك الأشياء التي تغيّر موقعها في وعينا؛ فما كان يومًا عارًا يخشى الطالب انكشافه، صار عند البعض محاولةً يمكن التسامح معها، ثم سلوكًا يمكن تبريره، حتى أصبح الاعتراض عليه أحيانًا هو المشكلة.

وأتذكر هنا موقفًا عايشته حين كنتُ معلّمًا في إحدى المدارس الثانوية.

في اختبارٍ لإحدى المواد العلمية، وجدتُ طالبًا يغش من ورقة مطبوعة أمامه. فباشرتُ إعداد محضر غش بحقه، لأن الدليل كان واضحًا ولا يحتاج إلى كثير من التثبّت. حاول الطالب الإنكار، لكن الدليل لم يكن يحتمل إنكارًا.

توقعت أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، ما دامت الحالة مثبتة بشكل قاطع، لكنني فوجئت بعدها باتصالات متكررة من أفراد أسرته، يلومونني، وبلهجة توبيخ، على “تدمير مستقبل” ابنهم، مع أنني لم أفعل أكثر من أداء مهمتي. توالت اتصالاتهم بالمدير وبِي، ولقاءاتهم، وحين أُسقط في أيديهم، هددوا باللجوء إلى القضاء!

المفارقة أنني طوال سنوات دراستي، وفي مختلف المراحل، كنت شاهدًا على حالات غش لا تتجاوز عدد أصابع اليد. وكان الغش آنذاك فعلًا مشينًا ومجرّمًا في نظر الجميع، ومن يُوصم به تظل تلك السمعة تلاحقه، حتى يكاد يتمنى ترك الدراسة بدل أن تظل أعين زملائه تنظر إليه بوصفه متهمًا بالغش.
أما اليوم، فقد تغيّر شيء ما. أصبح بعض الطلاب يتعاملون مع الغش وكأنه حق من حقوقهم. والسؤال هنا: من الذي منحهم هذا الحق؟

معلمون يغفرون محاولات الغش، ومراقبون يتساهلون معها. ولو أدرك الطالب أن مجرد محاولة الغش قد تكلّفه الحرمان من النجاح، لكان في ذلك رادعٌ كافٍ له عن المحاولة.

ويزيد الأمر تعقيدًا أن بعض المراقبين يتماهَون مع تذمر الطلاب وادعائهم أنهم لم يحصلوا على فرصة تعليمية كاملة بسبب الإضرابات، في حين أن بعض هؤلاء الطلاب أنفسهم كانوا ينتشون بالإضرابات ويستغلونها، ثم يطالبون بنتائج لا تتناسب مع ما بذلوه من جهد.

قد تكون الظروف التعليمية صعبة، وقد تكون للطلاب مظالم حقيقية تستحق المعالجة، لكن معالجة الخلل لا تكون بإسقاط قيمة الاجتهاد، ولا بتحويل الغش إلى تعويضٍ غير معلن عن كل ما فات.

ومن المؤسف، بل المعيب، أن يتمدد الغش من المدارس ليغزو حتى معاهد اللغة. والأغرب أن يحدث ذلك في مكان يذهب إليه الطالب طواعيةً طلبًا للفائدة؛ فما جدوى أن يغش في معهدٍ جاء إليه ليتعلم اللغة؟ وكيف تتحقق الفائدة أصلًا إذا كان يعتمد على الغش بدل أن يعتمد على ما تعلّمه؟

الغش في الاختبار قد يمنح صاحبه إجابةً صحيحة، لكنه لا يمنحه معرفةً حقيقية، بل يجعله معتمدًا على الغش بدلًا من الاعتماد على ما تعلّمه. وقد يساعده على تجاوز ورقة، لكنه يترك وراءه فجوةً ستظهر عاجلًا أو آجلًا.

فإذا غدا النجاح أهمَّ من التعلّم، وأصبح ضبطُ الغش اعتداءً على مستقبل الطالب، فالمشكلة لم تعد في ورقةٍ مخبأة تحت الطاولة؛ بل في مفاهيمَ ومبادئَ وقيمٍ بدأنا نفقد معانيها.

إغلاق