السلطنات في حضرموت
بقلم | المحامي صالح باحتيلي النعماني
الجمعة 18 سبتمبر 2026
بين الرواية التاريخية ومفهوم السلطة والسيادة
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي ينبغي ان نبحث له عن اجابة عند دراسة التجربة السياسية الحضرمية ليس فقط: من حكم حضرموت؟ وإنما أيضًا: من أين استمدت السلطة شرعيتها؟ وما حدود تلك السلطة؟ ومن فوضها؟ وما طبيعة العلاقة بينها وبين المجتمع؟ ومتى تتحول السلطة المفوضة إلى سلطة منفردة؟ لنتعرف على طبيعة المركز السياسي والقانوني لحضرموت قبل سقوطها.
هذه الأسئلة تفتح مجالًا مختلفًا لقراءة تاريخ الحكومات الحضرمية المحلية المفوضة (السلطنات)؛ إذ يصبح التاريخ السياسي لحضرموت ليس مجرد تاريخ أسر حاكمة في تلك المرحلة المتأخرة من الضعف، وإنما تاريخًا للعلاقة بين المجتمع والسلطة والتفويض والسيادة. لكيلا نعود للحديث عن تفاهات الحق التاريخي للأسر.
وعليه، فإن إعادة قراءة مرحلة الحكومات الحضرمية المحلية المفوضة (السلطنات) ينبغي أن تتأسس على منهج يجمع بين البحث التاريخي والتحليل السياسي والفلسفة السياسية، بهدف الوصول إلى المفاهيم الواقعية التي حكمت تلك المرحلة، بعيدًا عن التلقي غير النقدي لما قيل وكُتب عنها.
فالغاية النهائية من هذه القراءة ليست إدانة مرحلة تاريخية، وإنما فهمها: فهم مصطلحاتها اولا، ثم فهم مصادر السلطة فيها، وحدود شرعيتها، وعلاقتها بالمجتمع الحضرمي، وأسباب تحولها من سلطات محلية إلى مراكز حكم منفردة، ثم دراسة النتائج التي ترتبت على ذلك في مسار حضرموت السياسي والسيادي.
وبذلك يمكن الانتقال من سؤال «كيف وصف الآخرون الحكومات الحضرمية المحلية المفوضة (السلطنات)؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: «كيف نشأت السلطة في حضرموت، ومن أين استمدت شرعيتها، وكيف تطورت علاقتها بالمجتمع والسيادة؟. وهذا التحول في السؤال هو المدخل الحقيقي لبناء دراسة حضرمية نقدية للتاريخ، تستند إلى الوثيقة والعقل والتحليل، وتبحث عن الحقيقة التاريخية بدل الاكتفاء بتكرار الروايات المتوارثة.
تقتضي دراسة تاريخ حضرموت التوقف عند عدد من الملاحظات المهمة المتعلقة بكيفية وصف الحكومات الحضرمية المحلية المفوضة (السلطنات) ونشأتها ودورها السياسي؛ إذ إن التعامل مع هذه المرحلة لا ينبغي أن يقتصر على تبني الروايات التي صاغها الآخرون عن حضرموت، وإنما يستلزم بناء رواية حضرمية تستند إلى قراءة نقدية لمصادر التاريخ، وإلى فهم طبيعة البنية السياسية والاجتماعية التي نشأت في إطارها تلك الحكومات الحضرمية المحلية المفوضة ( السلطنات).
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى السلطنات الحضرمية، في سياق نشأتها وتطورها، بوصفها سلطات أو حكومات محلية ضمن المجال السياسي لحضرموت، وليس بالضرورة باعتبارها كيانات ذات سيادة مستقلة منذ نشأتها. ووفق هذه الرؤية، فإن شرعية ممارسة السلطة المحلية كانت مرتبطة، في مرحلة من المراحل، بتفويض من البنية الاجتماعية والسياسية الحضرمية، ممثلة في الجمعية الوطنية لقبائل حضرموت.
وينبغي هنا التفرقة بين مفهوم ممارسة السلطة ومفهوم الحق التاريخي في السيادة. فوجود أسرة أو سلالة في موقع الحكم لفترة زمنية لا يكفي، من الناحية النظرية، لإثبات امتلاكها حقًا تاريخيًا مطلقًا في السيادة على الإقليم أو الشعب. فالسلطة السياسية، في أي مجتمع، تحتاج إلى أساس يفسر مصدر شرعيتها وحدودها وعلاقتها بالمجتمع الذي تمارس عليه تلك السلطة.
ومن هذه الزاوية، فإن دراسة التجربة الحكومات الحضرمية المحلية المفوضة ( السلطنات) في حضرموت تحتاج إلى تجاوز السرد التقليدي الذي يكتفي بتسجيل أسماء السلاطين وتسلسلهم الزمني وحروبهم وتحالفاتهم، إلى دراسة أعمق لطبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة، وكيف انقلبت بعض تلك الاسر من ممارسة دورها في إطار البنية السياسية الحضرمية والتفويض الصادر عن الجمعية الوطنية لقبائل حضرموت إلى حالة من الانفراد بالقرار والحكم.
كما أن تقييم هذه المرحلة ينبغي أن يتناول مسؤولية تلك الاسر التي انفردت بالحكم عن النتائج التي ترتبت على ذلك الانفراد، ولا سيما فيما يتعلق بالحفاظ على وحدة المجال السياسي الحضرمي ومركز حضرموت السياسي والقانوني، والدفاع عن حضرموت، وحماية مركزها السياسي والسيادي. وهذه المسألة ينبغي تناولها من خلال الوقائع المؤلمة التي أجمعت كل الروايات المحلية ان تلك الاسر غادرت مع او قبل رحيل البريطانيين وفي سفنهم وانها لم تدافع عن الدولة، وان دراسة تلك الوقائع والقرارات والظروف التاريخية التي أحاطت بمشهد سقوط حضرموت التراجيدي، ثم تحديد ما إذا كانت تلك الاسر قد قامت بما كان يمكنها القيام به في حدود إمكاناتها التاريخية والسياسية والعسكرية.
الحاجة إلى قراءة حضرمية للتاريخ
إن الإشكالية الأساسية ليست في مجرد إعادة وصف السلطنات، وإنما في المنهج الذي نقرأ من خلاله تاريخها. فالنقل الحرفي لما كتبه المؤرخون والرحالة والإدارات الاستعمارية أو القوى السياسية المختلفة لا ينتج بالضرورة فهمًا كاملًا للحقيقة التاريخية؛ لأن كل رواية تاريخية قد تكون مرتبطة بالسياق الذي أنتجها، وبالجهة التي كتبتها، وبالمفاهيم التي استخدمتها في تفسير الأحداث.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسة تاريخ حضرموت دراسة بحثية نقدية، تقوم على جمع المصادر ومقارنتها، وفحص المصطلحات المستخدمة في وصف السلطة والسيادة، والتفريق بين ما حدث تاريخيًا وبين التفسير الذي أُعطي لما حدث.
فالهدف ليس صناعة رواية بديلة لمجرد مخالفة الروايات الأخرى، وإنما الوصول إلى رواية أكثر قدرة على تفسير الواقع التاريخي من داخله، بحيث تكون لحضرموت قصتها التي تنطلق من تجربتها الاجتماعية والسياسية، لا من التصورات التي صاغها الآخرون عنها. وهي ان حضرموت كانت دولة ذات مركز سياسي وقانوني وكان لديها جمعية وطنية كانت تعطي للحكومات المحلية التفويض.
من التاريخ إلى فلسفة الدولة والسيادة
وهنا يصبح من المفيد الاستعانة بالفكر السياسي والفلسفة السياسية لفهم طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة. فقد ساعد المنهج العلمي، بما يقوم عليه من ملاحظة ونقد وتحليل ومقارنة، على ترسيخ دور العقل في البحث عن الحقائق، ولم تعد دراسة الظواهر السياسية والاجتماعية قائمة على السرد وحده، بل أصبحت تتطلب تفسيرًا للعلاقات التي أنتجت تلك الظواهر.
وفي الفكر السياسي، ظهرت محاولات متعددة لتفسير نشوء المجتمع السياسي ومصدر شرعية السلطة، ومن أبرزها نظرية العقد الاجتماعي، التي تقوم، بصور مختلفة لدى فلاسفة مثل هوبز ولوك وروسو، على بحث العلاقة بين الأفراد والسلطة السياسية، والحقوق والواجبات المتبادلة بينهما.
المحامي صالح باحتيلي النعماني محام مترافع امام المحكمة العليا






