من غرفة العمليات بدأت القصة وإلى المخا امتد الانسحاب .. كيف تفككت جبهة الساحل الغربي؟
تاربة اليوم
2026-09-18 05:53:00
من غرفة العمليات بدأت القصة وإلى المخا امتد الانسحاب .. كيف تفككت جبهة الساحل الغربي؟
الخميس 17 سبتمبر 2026 – الساعة:20:53:22
(تاربة اليوم / خاص)
لم يكن الانهيار المفاجئ لمواقع قوات المقاومة الوطنية في الساحل الغربي مجرد نتيجة لتقدم عسكري حوثي سريع، وفق ما خلصت إليه إحاطتان اطّلع عليهما مصدران مطلعان على مجريات المعركة، بل جاء نتيجة تداخل عوامل عسكرية واستخباراتية وقيادية أسهمت مجتمعة في إرباك خطوط الدفاع وتسريع الانسحاب من مواقع واسعة.
وتشير المعطيات الواردة في الإحاطتين إلى أن الهجوم الحوثي استغل نقاط ضعف داخل منظومة القيادة والسيطرة، في وقت لم تتمكن فيه قيادة المقاومة الوطنية من احتواء الهجوم أو الحفاظ على التواصل المنظم مع عدد من الوحدات المنتشرة على خطوط المواجهة.
ضربة مبكرة لغرفة العمليات
بحسب الإحاطتين، استهدف الحوثيون غرفة العمليات مع بداية الهجوم، في ضربة كان من شأنها التأثير على منظومة القيادة والسيطرة وإدارة الوحدات ميدانياً.
وتشير المعلومات إلى أن طارق صالح كان قد غادر الموقع قبل تعرضه للقصف، إلا أن استهداف غرفة العمليات تزامن مع بداية الهجوم وساهم في تعقيد عملية إدارة المعركة، خصوصاً مع اتساع رقعة الاشتباكات وتزامن الهجمات على أكثر من محور.
الأكثر خطورة، وفق المصدرين، أن الاختراق لم يقتصر على منظومة الاتصالات، بل امتد إلى منظومة الاستخبارات العسكرية، وهو ما كان قد جرى التحذير منه في وقت سابق، بحسب ما ورد في الإحاطتين.
الاتصالات تحولت إلى نقطة ضعف
استغل الحوثيون، وفق المعطيات، الاختراقات في منظومة الاتصالات لإرباك الوحدات وخلخلة خطوطها الدفاعية، بالتزامن مع الضغط العسكري المتسارع.
وفي مرحلة من المعركة، فقدت القيادة القدرة على التواصل المنظم مع عدد من الكتائب، ما أدى إلى صعوبة إصدار الأوامر وتنسيق عمليات الإسناد وإعادة الانتشار.
ومع غياب صورة موحدة للموقف الميداني، بدأت الانسحابات تتسع من موقع إلى آخر، وتحولت حالة الارتباك من بعض الوحدات إلى عامل ضغط على وحدات أخرى، وصولاً إلى فقدان السيطرة على قطاعات واسعة من الجبهة.
قيادات متفرقة وقرارات بطيئة
تكشف الإحاطتان، بحسب المصدرين، عن مشكلة أخرى تتعلق ببنية القيادة الميدانية؛ إذ لم يكن قادة الكتائب يشكلون، وفق التقييم الوارد فيهما، كتلة قيادية متماسكة تعمل ضمن منظومة قرار واحدة.
كما تحدثت الإحاطتان عن تعدد الارتباطات والولاءات لدى بعض القيادات، بما في ذلك مزاعم عن وجود صلات مع الحوثيين أو جهات أخرى، وهي مزاعم قال المصدران إنها لا تزال قيد التحقيق ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق مثبتة.
وزاد من تعقيد الموقف وجود عدد من القيادات العسكرية خارج اليمن، في حين تعاملت قيادات أخرى باستخفاف مع مؤشرات الهجوم، الأمر الذي انعكس على سرعة اتخاذ القرار والاستجابة للتطورات الميدانية.
العمالقة تحاول احتواء الانهيار
وسط هذا المشهد، دفعت ألوية العمالقة بقوة محدودة قوامها كتيبتان إلى جبهة حيس، وتمكنت من صد الهجوم الحوثي واستعادة مواقع كانت قد خسرتها.
لكن هذه المحاولة اصطدمت بانسحاب واسع لوحدات من المقاومة الوطنية في المواقع المجاورة، ما حدّ من إمكانية تحويل التقدم المحدود إلى عملية مضادة واسعة.
كما أثار وصول قوات بقيادة حمدي شكري إلى جبهة حيس خلافات ميدانية، وسط اعتراضات على إسناد مهام قتالية إلى وحدات لا تمتلك، وفق ما ورد في الإحاطة، معرفة كافية بمسرح العمليات وطبيعة الانتشار العسكري فيه.
وفي ظل تراجع وحدات المقاومة الوطنية، انسحبت بعض وحدات العمالقة إلى نقاط دفاعية بعد مشاهدتها جنوداً من قوات طارق صالح يغادرون مواقعهم.
وبالتدريج، انتقلت حالة الارتباك إلى القوات المتراجعة باتجاه المخا، مع اتساع مساحة الانسحاب وتراجع القدرة على تثبيت خطوط دفاعية جديدة.
من الساحل إلى الداخل
لم ينتهِ الانهيار عند خطوط المواجهة الأولى، بل أدى الانسحاب إلى إعادة توزيع القوات في مناطق مختلفة.
وبحسب المعطيات الواردة في الإحاطتين، أعادت القوات التهامية تجميع عدد من العناصر في رأس العارة والمضاربة والمناطق المحيطة بهما، بالتزامن مع إعادة ترتيب انتشار القوات المنسحبة من الساحل الغربي.
وتوزعت الوحدات المنسحبة لاحقاً بين مأرب وتعز والضالع والحوطة، فيما ترك بعض أفرادها القتال، بينما اختار آخرون الانضمام إلى التشكيلات التهامية.
وهكذا تحولت المعركة من تراجع تكتيكي في بعض المواقع إلى عملية إعادة انتشار واسعة، أعادت رسم خريطة انتشار القوات المناهضة للحوثيين في الساحل والمناطق المحيطة به.
لماذا انهارت قوة بهذا الحجم بهذه السرعة؟
تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى حجم قوات المقاومة الوطنية؛ إذ تشير كشوفاتها الرسمية إلى أن قوامها يتجاوز 30 ألف مقاتل، مزودين بأسلحة ومعدات حديثة.
لذلك فإن سرعة انهيار عدد من المواقع تفتح الباب أمام سؤال أكبر من مجرد التفوق العددي أو الناري للحوثيين: *هل كانت المشكلة في حجم القوة، أم في قدرتها على العمل كمنظومة عسكرية متماسكة؟*
المعطيات التي تضمنتها الإحاطتان ترجح أن الخلل كان مرتبطاً بصورة أساسية بالقيادة والسيطرة والاستخبارات والاتصالات، إلى جانب تباين مواقف القيادات وسرعة الاستجابة للهجوم.
وبمعنى آخر، لم يكن الانهيار بالضرورة نتيجة فقدان القوة البشرية أو السلاح، بقدر ما كان نتيجة فقدان القدرة على استخدام هذه القوة ضمن منظومة قيادة وسيطرة فعالة في اللحظة الحاسمة.
هل يمكن قلب المعادلة؟
رغم حجم الخسارة وسرعة التراجع، يشير المصدران إلى أن التحالف والحكومة اليمنية لا يزالان يملكان ثقة بإمكانية وقف التقدم الحوثي وإعادة تغيير مسار المعركة.
ويستند هذا التقدير إلى إمكانية إعادة تنظيم القوات، وترتيب مراكز القيادة والسيطرة، ومعالجة الاختلالات في الاتصالات والاستخبارات، إلى جانب الدفع بتعزيزات وبدء عمليات مضادة.
لكن نجاح أي محاولة لاستعادة المبادرة لن يعتمد فقط على إرسال قوات إضافية إلى الجبهة، بل على إعادة بناء منظومة قيادة موحدة قادرة على إدارة المعركة، وضمان الاتصالات الآمنة، وتحديد المسؤوليات الميدانية، ومنع تكرار حالة الانسحاب المتسلسل التي حوّلت الهجوم الحوثي إلى انهيار واسع في وقت قصير.
وبذلك، فإن السؤال الذي فرضه سقوط مواقع الساحل الغربي لا يتعلق فقط بـ*كيف تمكن الحوثيون من التقدم بهذه السرعة؟، وإنما أيضاً بـكيف تحولت قوة عسكرية كبيرة إلى وحدات متفرقة فقدت الاتصال والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة الأكثر حساسية من المعركة؟*






