اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

وترجّل الصابرُ الثابت… برفقة أمين سرّه

وترجّل الصابرُ الثابت… برفقة أمين سرّه

تاربة _ اليوم / كتابات وآراء
*بقلم: أ. محمد عبدالله بن عبدات*
الأربعاء 2 سبتمبر 2026م

الحمد لله الحيّ الذي لا يموت، والباقي الذي يفنى كلُّ شيءٍ سواه، الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وكلُّ أمرٍ عنده بمقدار، وإليه المصير والمآل.

قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.

وما أكتب اليوم ليس تزكيةً لأحد، فالله وحده أعلم بالسرائر والقلوب، وإنما هي شهادةُ محبٍّ ورفيقٍ عايش بعضًا من سيرة رجلٍ رأيت فيه معنى الصبر حين يكون الصبر موقفًا، ومعنى الثبات حين يصبح الثبات سيرةَ حياة.

منذ أن بلغني رحيل الأستاذ سالم بن سعيد بن عمر جوبان، تتزاحم في الذاكرة صورٌ كثيرة، ومواقف لا يكاد القلم يفيها حقها؛ مواقف لرجلٍ عاش هادئًا، ومضى هادئًا، وترك خلفه من الأثر ما يجعل الرحيل أشبه بغياب الجسد وبقاء السيرة.

فرسان تريم كثيرون، ورجالها الأفذاذ أكثر، لكن فارس هذا المقال كان له في القلب والذاكرة مقامٌ مختلف.

إنه المعلم والمربي القدير، الأستاذ سالم بن سعيد بن عمر جوبان، المولود في مدينة تريم – حضرموت، في 20 يناير 1969م.

رحل والده وهو لا يزال صغيرًا جدًا، حتى إنه لم تسعفه ذاكرته أن تحتفظ بملامح أبيه. ومع ذلك مضى في الحياة، يحمل نصيبه من المسؤولية، حتى أصبح هو أبًا ومربيًا ومعلمًا لأجيال، متزوجًا وأبًا لثلاث بنات وولدين.

تخرج في قسم اللغة العربية بكلية التربية بالمكلا، ثم التحق بسلك التعليم، فكانت أكثر من ثلاثين عامًا من عمره في خدمة التربية والتعليم.

درّس في عدد من مدارس وثانويات سيئون وتريم، وكان حضوره الأبرز في ثانوية تريم للبنين، التي تولّى إدارتها لعامين دراسيين 2019–2020م و2020–2021م.

كما عمل معلمًا ووكيلًا ومديرًا في ثانوية تريم للبنات خلال الفترة من 2012م إلى 2019م، ثم تولّى إدارة مدرسة عيديد الأساسية للبنين لعامين دراسيين 2021–2022م و2022–2023م، قبل أن ينتقل إلى العمل أمينًا لمكتبة مدرسة أم المؤمنين عائشة الأساسية للبنات، حيث ظل يؤدي رسالته حتى كتب الله له الرحيل.

ولم يكن سالم جوبان مجرد معلمٍ يؤدي وظيفة؛ كان علمًا بين أهله وطلابه، ومنارةً عرفها القريب والبعيد.

وكان إلى جانب ذلك رياضيًا عرفته ملاعب تريم لاعبًا في نادي وحدة تريم، ثم حكمًا في لعبة كرة السلة، فاجتمع فيه شغف العلم وروح الرياضة، وبينهما إنسانٌ محبٌّ للحياة، قريبٌ من الناس.

حين يصبح المرض مدرسةً للصبر

في عام 2022م ابتُلي الأستاذ سالم بمرض السرطان.

كانت معركةً طويلة وقاسية، أخذت من جسده الكثير، لكنها لم تستطع أن تأخذ منه شيئًا من رضاه ولا من إيمانه ولا من ابتسامته.

عرفته في فترة مرضه، وعايشته عن قرب، فلم أره يومًا يتخذ من مرضه ذريعةً للشكوى، ولا رأيته يستسلم لليأس، ولا سمعت منه تبرمًا من قضاء الله.

كان يتلقى الألم وكأنه يعرف أن وراءه حكمة، وأن البلاء مهما اشتد فهو في نهاية الأمر قدرٌ كتبه الله.

وكان يردد بمعنى ثابت لا يتغير:

“ما دام هذا من الله، فأنا راضٍ ومحتسب للأجر.”

وكانت عبارة “الحمد لله على كل حال” حاضرة في حالته على الواتساب، وكأنها لم تكن مجرد كلمات يكتبها، بل عهدًا متجددًا بينه وبين ربه.

أجرى خلال رحلة مرضه ثلاث عمليات؛ الأولى في مصر لاستئصال ورم في المعدة، والثانية في هيئة مستشفى سيئون لمعالجة التواء في جدار المعدة، والثالثة في مستشفى حضرموت الحديث لتوسعة موضع مرور الماء والغذاء.

وفي المرحلة الأخيرة اشتد عليه المرض، وأصيب بالتهاب شديد في مجرى الغذاء والماء، حتى لم يعد قادرًا على ارتشاف قطرة ماء أو تناول حبة أرز.

وكان بحاجة إلى عملية منظار، غير أن الطبيب المختص كان خارج البلاد، وبعد التواصل معه أبلغه أنه سيعود بعد شهر…

شهرٌ كامل كان سالم يتغذى فيه عن طريق الإبر الوريدية صباحًا ومساءً، ويقاسي الجوع والعطش وألم المرض، فوق ما يحيط بالإنسان في بيئتنا من حرارة قاسية وظروف صعبة.

ومع ذلك… لم أسمعه متذمرًا، كان يحمد الله.

وفي إحدى المرات قال لي:

“يا محمد، أنا في نعمة عظيمة جدًا؛ لأن المرض مكتوب عليّ، وهناك كثيرون مثلي، وربما أوجاعهم أشد من وجعي. أنا أحمد ربي على هذه النعمة؛ فأنا أنام وأستيقظ، وأقوم وأجلس، وأرى الناس ويرونني، دون وجع يؤرقني أو يمنع عني نومي. أليست هذه نعمة تستحق الحمد والشكر؟”

توقفت كثيرًا عند كلماته.

أي قلبٍ هذا الذي يرى النعمة في وسط الألم؟

وأي يقينٍ يجعل الإنسان يبحث عن مواضع الحمد وهو محاصر بالمرض؟

كان أ. سالم بالنسبة لي درسًا حيًا في الصبر؛ يذكّرني بسيدنا أيوب عليه السلام حين يصبح البلاء طريقًا إلى مزيد من القرب، ويذكّرني بأن الإيمان الحقيقي لا يظهر في أوقات الراحة، بقدر ما يظهر حين تضيق السبل ويشتد الوجع.

وفي آخر لقاء جمعني به قبل رحلته الأخيرة، سألته:

“هل ذهبت إلى المدرسة؟”

فأجابني:

“مسجد السقاف أولى.”

كانت جملة قصيرة، لكنها حملت من المعاني ما لا تحمله صفحات.

لقد كان جسده قد أرهقه المرض، وهزل من شدة ما لقي، لكن قلبه ظل متعلقًا ببيت الله.

كان مسجد السقاف جزءًا من يومه وحياته؛ تراه فيه قبل الفجر في الحزب، وبين العشائين في حلقة القرآن، وتراه يتلو راتب الحداد الذي اعتاد أهل تريم قراءته في مساجدها.

حتى في أشد أيام مرضه، لم يكن يسمح للمرض أن يكون حجةً بينه وبين عبادته.

وكأن لسان حاله يقول:
يا سرطان، أنت ابتلاءٌ من الله، وأنا مأمورٌ أن أؤدي واجبي تجاه نفسي وربّي، وأن أظل عبدًا لله حتى آخر رمق.

لم يكن أ. سالم ينظر إلى المرض باعتباره صاحب القرار في حياته؛ كان يعرف أن المرض سبب، وأن الشافي هو الله، وأن الموت له موعد لا يتقدم ولا يتأخر.

ـ الرحيل الذي لم يكن متوقعًا:

قاتل أ. سالم السرطان أعوامًا، وصمد أمام عملياته وآلامه، وكان من الممكن أن يظن المرء أن نهاية قصته ستكون على سرير مرض.

لكن الله كتب له خاتمةً أخرى. فلم يكن رحيله بسبب السرطان.

اختاره الله إلى جواره إثر حادث سير بطريق المكلا، يوم الاثنين 18 ربيع الأول 1448هـ، الموافق 31 أغسطس 2026م، وبرفقته ابن أخيه عبدالله بن محمد جوبان؛ ذلك الشاب الذي رافق عمه في رحلات علاجه، ولم يتركه في محطات مرضه، حتى كتب الله أن يكون رفيقه في الرحلة الأخيرة أيضًا.
وكأن الوفاء أبى أن تكون النهاية إلا معًا.

ترجّل الأستاذ سالم وترجّل معه أمين سرّه ورفيق رحلاته عبدالله.

رحلا عن الدنيا، لكنهما تركا خلفهما سيرةً ستظل حاضرة في ذاكرة كل من عرفهما.

وفي عصر الثلاثاء 19 ربيع الأول 1448هـ، الموافق 1 سبتمبر 2026م، خرجت تريم عن بكرة أبيها تشيع جنازتهما في مشهد مهيب، وكأن المدينة أرادت أن تقول لهما: لقد عشتما بيننا، فأحببناكما، وها نحن اليوم نودعكما والقلوب مثقلة بالفقد.

يا أستاذي ورفيقي سالم جوبان… ويا أخي عبدالله محمد جوبان، أمين سر عمه ورفيق دربه…

لقد تركتما لنا وجعًا لا تخفيه الكلمات، وذكرى لا يمحوها الرحيل.

تركتما لنا درسًا في الصبر والثبات، وفي الوفاء حين يكون الوفاء فعلًا لا قولًا، وفي الإخلاص حين يتحول إلى سلوكٍ يراه الناس قبل أن يسمعوا عنه.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في رحيلكما:

أن القلب ليحزن، وأن العين لتدمع، وإنا على فراقكما لمحزونون.

نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يغفر لكما، ويرحمكما، ويتجاوز عنكما، ويكرم نزلكما، ويوسع مدخلكما، ويسكنكما فسيح جناته، وأن يجعل ما أصابكما من مرض وألم وتعب في ميزان حسناتكما، وأن يكتب لكما أجر الصابرين المحتسبين.

ونسأله سبحانه أن يربط على قلوب أهلكما ومحبيكما، وأن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يجعل ذكراكما الطيبة صدقةً جارية في حياة من عرفكما.

رحم الله الاستاذ سالم جوبان وعبدالله محمد جوبان، وأسكنهما الفردوس الأعلى، وجمعنا بهما في مستقر رحمته.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

إغلاق