اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الحلقة السابعة:  بناء المؤسسات والحكم الرشيد في حضرموت(من نفوذ الأشخاص إلى قوة المؤسسات)

الحلقة السابعة:  بناء المؤسسات والحكم الرشيد في حضرموت(من نفوذ الأشخاص إلى قوة المؤسسات)

إعداد / د.  أحمد باصهي

بعد أن تناولنا في الحلقات السابقة قضايا الهوية والثروة والحكم الذاتي والمشاركة والعدالة، نصل إلى الحلقة التي تمثل العمود الفقري لأي مشروع مستقبلي:

المؤسسات.

فحتى أفضل الرؤى السياسية يمكن أن تفشل إذا لم تستند إلى مؤسسات قوية، وحتى أفضل القوانين تصبح بلا قيمة إذا لم توجد مؤسسات قادرة على تطبيقها بعدالة وكفاءة.

والسؤال هنا:

كيف نبني مؤسسات حضرمية قوية لا تعتمد على الأشخاص، ولا تخضع للأمزجة السياسية، وتستمر مهما تغيرت الحكومات والقيادات؟

أولًا: المؤسسة أقوى من الفرد

من أكبر مشكلات المجتمعات التي تمر بمراحل انتقالية أن يرتبط نجاح المؤسسة بشخص معين.

فتصبح المؤسسة قوية بوجود المسؤول، وتضعف برحيله.

أما الحكم الرشيد فيقوم على قاعدة مختلفة:

الأشخاص يتغيرون، والمؤسسات تستمر.

ولهذا فإن المطلوب هو بناء مؤسسات تقوم على القانون واللوائح والإجراءات، وليس على العلاقات الشخصية أو النفوذ الاجتماعي.

ثانيًا: سيادة القانون

لا يمكن الحديث عن الحكم الرشيد دون الحديث عن سيادة القانون.

فالقانون يجب أن يكون فوق الجميع:

المسؤول والمواطن، والغني والفقير، والقوي والضعيف.

ولا يمكن بناء الثقة في المؤسسات إذا شعر المواطن أن تطبيق القانون يختلف باختلاف الأشخاص أو المناطق أو العلاقات.

ومن هنا فإن استقلال القضاء، ونزاهة أجهزة إنفاذ القانون، وضمان حق التقاضي، تمثل عناصر أساسية لأي مشروع مؤسسي.

ثالثًا: الفصل بين السلطات

أي نظام للحكم يحتاج إلى توازن بين السلطات.

ولهذا ينبغي أن تكون هناك مؤسسات تشريعية ورقابية وتنفيذية وقضائية، بحيث لا تتركز جميع الصلاحيات في جهة واحدة.

فتركيز السلطة قد يؤدي إلى ضعف الرقابة وفتح الباب أمام الاستبداد والفساد.

أما توزيع الصلاحيات، فيخلق نوعًا من التوازن ويجعل كل سلطة خاضعة للمساءلة.

رابعًا: الإدارة المحلية واللامركزية

إذا كان الهدف من الحكم الذاتي هو تقريب القرار من المواطن، فإن اللامركزية الداخلية تصبح أمرًا مهمًا.

فلا ينبغي أن تتركز كل القرارات في مركز حضرموت الإداري.

بل يجب أن تحصل المناطق والمحافظات والمديريات على صلاحيات واضحة لإدارة شؤونها المحلية، ضمن إطار قانوني موحد.

وهنا يصبح المواطن أقرب إلى السلطة، ويصبح تقييم الأداء أكثر وضوحًا.

خامسًا: المؤسسات المنتخبة

الشرعية المؤسسية تحتاج إلى مشاركة المواطنين.

ولهذا فإن المجالس المحلية والهيئات التشريعية ينبغي أن تستند إلى انتخابات نزيهة ودورية، تسمح للمواطنين باختيار ممثليهم ومحاسبتهم.

فالانتخابات ليست مجرد عملية لاختيار الأشخاص، بل هي أيضًا وسيلة لتجديد الشرعية ومنع احتكار السلطة.

سادسًا: مكافحة الفساد

لا يمكن بناء مستقبل اقتصادي مستدام إذا أصبحت الموارد العامة مجالًا للفساد.

ولهذا تحتاج حضرموت، في أي نموذج مستقبلي، إلى منظومة متكاملة لمكافحة الفساد تشمل:

– أجهزة رقابة مستقلة.

– إعلان الموازنات والإيرادات.

– شفافية العقود الحكومية.

– مكافحة تضارب المصالح.

– حماية المبلغين عن الفساد.

– مراجعة الإنفاق العام.

– مساءلة المسؤولين.

فالفساد لا يسرق المال فقط، وإنما يقتل الثقة ويضعف المؤسسات ويعطل التنمية.

سابعًا: الإدارة بالكفاءة

من القضايا التي ترتبط مباشرة بما ناقشناه في الحلقة السابقة هي مسألة الكفاءة.

فإذا أصبحت الوظائف العامة مرتبطة بالولاءات أو المحاصصة، فإن المؤسسة ستضعف.

ولهذا ينبغي أن تقوم الخدمة المدنية على:

المؤهل، والخبرة، والكفاءة، والنزاهة، وتكافؤ الفرص.

أما التمثيل السياسي فيمكن أن يُعالج من خلال المؤسسات المنتخبة والضمانات القانونية، دون تحويل الجهاز الإداري إلى ساحة للمحاصصة.

ثامنًا: البيانات والمعرفة

الحكم الحديث لا يمكن أن يعتمد على الانطباعات.

إذا أردنا التخطيط للتعليم، نحتاج إلى بيانات عن المدارس والطلاب والمعلمين.

وإذا أردنا تطوير الصحة، نحتاج إلى بيانات عن المستشفيات والكوادر والاحتياجات.

وإذا أردنا إدارة الموارد، نحتاج إلى معلومات دقيقة عن الإنتاج والإيرادات.

ولهذا فإن البيانات والإحصاءات ومراكز الدراسات ينبغي أن تكون جزءًا أساسيًا من بنية الحكم الرشيد.

تاسعًا: الرقمنة والتحول الإداري

يمكن للتحول الرقمي أن يساعد في تقليل البيروقراطية والحد من الفساد وتحسين الخدمات.

فالخدمات الإلكترونية، والموازنات المفتوحة، والسجلات الرقمية، وأنظمة المشتريات الحكومية الإلكترونية، كلها أدوات يمكن أن تزيد من الشفافية والكفاءة.

لكن التقنية وحدها لا تكفي.

فإذا كانت القوانين ضعيفة والمؤسسات غير مستقلة، فإن الرقمنة لن تحل المشكلة من جذورها.

عاشرًا: بناء مؤسسات لا تتغير بتغير الأشخاص

الاختبار الحقيقي لأي نظام ليس في الظروف العادية، بل في لحظة انتقال السلطة.

إذا تغير المسؤول وبقيت المؤسسة تعمل بصورة طبيعية، فهذا دليل على قوتها.

أما إذا توقفت المؤسسة بمجرد رحيل الشخص، فهذا يعني أنها لم تكن مؤسسة بالمعنى الحقيقي.

ولهذا يجب أن يكون الهدف:

بناء قواعد ومؤسسات تستمر مهما تغيرت القيادات.

الحوكمة الرشيدة: المعادلة الأساسية

يمكن تلخيص الحكم الرشيد في مجموعة من المبادئ:

قانون + شفافية + مساءلة + كفاءة + مشاركة + استقلال مؤسسي.

وعندما تجتمع هذه العناصر، يصبح من الممكن بناء نظام سياسي وإداري أكثر استقرارًا.

أما إذا غابت، فإن أي صيغة سياسية ـ سواء كانت مركزية أو لامركزية أو حكمًا ذاتيًا ـ ستظل معرضة للضعف.

الخلاصة

إذا أردنا لحضرموت مستقبلًا مختلفًا، فعلينا ألا نركز فقط على من يحكم، بل على كيف تُحكم.

فالقيادة قد تتغير، لكن المؤسسة يجب أن تبقى.

والسلطة يجب أن تكون مقيدة بالقانون.

والثروة يجب أن تخضع للرقابة.

والمسؤول يجب أن يكون قابلًا للمساءلة.

والمواطن يجب أن يكون صاحب حق، لا مجرد متلقٍ للخدمة.

وهكذا يصبح الحكم الرشيد ليس مجرد شعار، بل ثقافة سياسية وإدارية ومؤسسية.

«الدول والمجتمعات لا تُبنى بالأشخاص وحدهم، وإنما بالمؤسسات التي تجعل النجاح ممكنًا حتى بعد رحيل الأشخاص.»

وفي الحلقة الثامنة سننتقل إلى قضية ترتبط مباشرة بمستقبل الأجيال:

التنمية المستدامة ومستقبل الأجيال

كيف تتحول ثروات حضرموت من موارد تُستهلك اليوم إلى أساس لمستقبل مستدام؟

إغلاق