الحلقة الأولى : لماذا نحتاج إلى مقاربة علمية لمستقبل حضرموت؟
اعداد / د. احمد باصهي
حضرموت ليست مجرد مساحة جغرافية أو امتداد تاريخي، وليست فقط أرضًا غنية بالموارد والثروات؛ بل هي مجتمع له تاريخ عريق، وهوية متجذرة، وتجربة حضارية امتدت آثارها إلى مناطق واسعة من العالم عبر الهجرة والتجارة والعلم والثقافة.
ومن هنا، فإن الحديث عن مستقبل حضرموت لا ينبغي أن يكون مجرد حديث عن موقف سياسي آني، أو رد فعل على متغيرات عابرة، وإنما يحتاج إلى مقاربة علمية وواقعية تستند إلى قراءة موضوعية للتاريخ والجغرافيا والمجتمع والاقتصاد والسياسة.
إن السؤال الأساسي الذي ينبغي أن نطرحه هو:
أي حضرموت نريد أن نبني لأبنائنا وأجيالنا القادمة؟
هذا السؤال يقودنا إلى مجموعة من الأسئلة الأخرى: كيف يمكن إدارة موارد حضرموت بصورة عادلة وشفافة؟ وكيف يمكن تحقيق مشاركة حقيقية لأبنائها في صناعة القرار؟ وكيف يمكن بناء مؤسسات قادرة على حماية الحقوق وتحقيق التنمية؟ وما النموذج السياسي والإداري الذي يستطيع أن يستجيب لخصوصية حضرموت وتطلعات مجتمعها؟
من ردود الأفعال إلى صناعة الرؤية
لقد عانت المنطقة، خلال عقود طويلة، من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية جعلت كثيرًا من المواقف تُبنى على ردود الأفعال أكثر مما تُبنى على التخطيط بعيد المدى.
ولذلك فإن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن الموقف إلى الرؤية، ومن الرغبة إلى المشروع.
فالمستقبل لا يُمنح، وإنما يُصنع من خلال المعرفة، والتخطيط، وبناء المؤسسات، وتوافق المجتمع حول المصالح المشتركة والقضايا الإستراتيجية التي من خلالها تصاغ الأهداف الإستراتيجية القابلة للقياس وفق مؤشرات آداء دقيقة وموزونة , ثم تترجم وتفصل في مبادرات ومشاريع خدمية وتطويرية تستوعب الكل الحضرمي انسانا وأرضا بتنوعه وأطيافه لتكتمل ملامح المشروع الوطني الحضرمي ذي الرؤية الثاقبة والطموح العالي .
ولا يمكن أن تكون هناك رؤية حقيقية لمستقبل حضرموت من دون أن يكون الإنسان الحضرمي في مركزها؛ باعتباره صاحب المصلحة الأولى في الأمن والاستقرار والتنمية والعدالة.
خصوصية حضرموت
تتميز حضرموت بخصوصية تاريخية واجتماعية وثقافية واقتصادية تجعل من الضروري التعامل معها ضمن مقاربة تراعي هذه الخصوصية.
فحضرموت تمتلك موقعًا جغرافيًا مهمًا، وثروات طبيعية واقتصادية، وامتدادًا اجتماعيًا وثقافيًا واسعًا، إضافة إلى رصيد تاريخي وحضاري ترك بصماته في مناطق متعددة من العالم.
لكن هذه الإمكانات لا تتحول تلقائيًا إلى تنمية وازدهار.
فالثروة تحتاج إلى إدارة رشيدة، والموقع يحتاج إلى رؤية استراتيجية، والتاريخ يحتاج إلى مؤسسات تحافظ على منجزاته وتبني عليها.
الحكم الذاتي في إطار النقاش العلمي
ومن بين القضايا التي تستحق دراسة هادئة وموضوعية قضية الحكم الذاتي المنشود.
والحكم الذاتي هنا لا ينبغي أن يُطرح كشعار سياسي مجرد للتكسب الحزبي أو المصالح الفئوية الضيقة، وإنما كموضوع يحتاج إلى دراسة مؤسسية وقانونية واقتصادية واجتماعية.
ما المقصود بالحكم الذاتي؟
ما حدود الصلاحيات؟
كيف تُدار الموارد؟
كيف يتم توزيع السلطة؟
كيف تُضمن المشاركة والعدالة؟
وما الضمانات التي تحول دون إعادة إنتاج المركزية أو احتكار القرار؟
هذه الأسئلة وغيرها ينبغي أن تكون جزءًا من النقاش العام، بعيدًا عن التخوين أو الإقصاء أو الأحكام المسبقة.
المشاركة والعدالة والاستدامة
إن أي مشروع مستقبلي لحضرموت لا يمكن أن ينجح إذا قام على إقصاء فئة أو منطقة أو مكوّن اجتماعي.
ولهذا فإن المشاركة والعدالة والاستدامة ينبغي أن تكون مبادئ أساسية في أي تصور مستقبلي.
المشاركة تعني أن يكون لأبناء حضرموت دور حقيقي في صناعة القرار.
والعدالة تعني عدالة توزيع الفرص والموارد والخدمات، وعدالة التمثيل السياسي والإداري.
أما الاستدامة فتعني ألا تكون التنمية مجرد استهلاك للموارد الحالية، بل بناء اقتصاد ومؤسسات قادرة على خدمة الأجيال القادمة.
من هنا تبدأ السلسلة
هذه السلسلة لا تدعي امتلاك إجابات نهائية، ولا تقدم نفسها باعتبارها مشروعًا سياسيًا مكتملًا، وإنما تسعى إلى فتح مساحة للنقاش العلمي الهادئ حول مستقبل حضرموت.
سنحاول في الحلقات القادمة أن نقترب من التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والمجتمع والسياسة، وأن نستفيد من التجارب المقارنة، وصولًا إلى تصور أكثر وضوحًا لما يمكن أن تكون عليه حضرموت في المستقبل.
فالهدف ليس أن نسأل فقط:
ماذا حدث لحضرموت؟
بل أن ننتقل إلى السؤال الأهم:
ماذا نريد أن يحدث لحضرموت؟
وبين السؤالين تقع مسؤولية جيل كامل في أن يحول المعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى واقع.
حضرموت تستحق أن يُناقش مستقبلها بعقل علمي، وبروح جامعة، وبمسؤولية تجاه الحاضر والأجيال القادمة.
إلى الحلقة الثانية: حضرموت: الجغرافيا والتاريخ والهوية السياسية.






