مصاصو الدماء.. الدواء كان بالمجان فأصبح تجارةً وموتاً بطيئاً! ..حين يتحول الدواء من حق إنسان إلى فاتورة تنهك المواطن
بقلم : أحمد بن الشيخ أبوبكر
الخميس 27 اغسطس 2026
لم يعد المواطن يواجه المرض وحده، بل أصبح يواجه أيضًا ارتفاع تكاليف العلاج. ففي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وضعف الرقابة، باتت صحة المواطنين مهددة ليس بسبب المرض فحسب، بل كذلك بسبب ارتفاع أسعار الأدوية، وانتشار بعض المنتجات مجهولة المصدر أو غير المطابقة للمواصفات.
غير أن المعاناة الأكبر تبدأ عند الصيدلية.
فدواء كان يُصرف مجانًا أو يحظى بدعم كبير، أصبح اليوم عبئًا يفوق قدرة كثير من الأسر. وقد يصل سعر شريط دوائي لا يتجاوز ست حبات إلى مئات الآلاف من الريالات، فيما تبلغ تكلفة بعض العلاجات ملايين الريالات شهريًا، قبل احتساب تكاليف الفحوصات والمستشفيات والعيادات، التي تتجاوز أحيانًا قدرة الأسرة على الدفع.
فمن أين للمواطن أن يوفر هذه التكاليف؟
والأكثر إثارة للقلق أن بعض الأدوية الأساسية تختفي من السوق، ثم تعود بأسعار أعلى، لتبقى أسئلة مشروعة دون إجابات واضحة:
من يستورد هذه الأدوية؟ ومن يتولى توزيعها؟ وكيف تُحدد أسعارها؟ ولماذا تنقطع؟ وهل يرتبط ذلك بالاحتكار أو المضاربة أو السوق السوداء أو بخلل في سلسلة التوريد؟
إن هذه التكاليف تثقل كاهل المواطن وتستنزف ما تبقى من قدرته على مواجهة المرض. وقد لا يملك الطبيب إجابة شافية، إذ يقتصر دوره غالبًا على وصف العلاج، بينما قد يكون الصيدلاني بدوره مقيدًا بآليات السوق. وفي المقابل، يجد المواطن نفسه وحيدًا أمام الصيدلية، يحمل وصفته الطبية عاجزًا عن تحمل تكاليف العلاج، فيما يتفاقم مرضه يومًا بعد آخر.
وقد يتساءل المواطن، بمرارة ممزوجة بالسخرية:
هل تحتوي حبة الدواء على مركب كيميائي نادر، أم على الألماس والياقوت، حتى تبلغ هذه الأسعار؟
قد يبدو السؤال ساخرًا، لكن المعاناة حقيقية.
نحن لا نتهم أحدًا دون دليل، لكن من حق المواطن أن يعرف مصدر الدواء، ومدى جودته، وآلية تسعيره، والجهة التي تراقب وصوله منذ مرحلة الاستيراد والتوزيع وحتى وصوله إلى الصيدلية.
أين الرقابة؟
الدواء ليس سلعة ترف، والمريض ليس سوقًا مفتوحة للاستنزاف.
ومن حق التاجر تحقيق الربح، لكن من حق المواطن أيضًا الحصول على دواء آمن ومتوافر وبسعر عادل.
والمطلوب هو فرض رقابة فعالة على عمليات الاستيراد والتوزيع، وضمان توافر الأدوية الأساسية، ومكافحة الاحتكار والمضاربة، والتحقق من الجودة والمصدر، ومحاسبة كل من يثبت مخالفته، أيًا كان موقعه.
لقد أصبح المرض، في بعض الحالات، فاتورة تستنزف الأسرة، وأصبح بعض المرضى عاجزين حتى عن شراء شريط دوائي.
فهل أصبح الدواء تجارة فحسب؟ أم أن هناك خللًا يستوجب الكشف عنه ومراجعته ومعالجته؟
هذه صرخة مواطن لا يطلب المستحيل؛ بل يريد دواءً آمنًا ومتوافرًا وبسعر يستطيع تحمله.
فإذا كان المرض قدرًا، فإن حماية المريض مسؤولية.
وحين يصبح ثمن الدواء أقسى من المرض نفسه، يبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يظل بلا إجابة:
من يحمي المريض؟
وحسبنا الله ونعم الوكيل.






