يصيد الشعرة… ويُخطئ البعرة!
بقلم | صالح برك الجابري
ما يجري هذه الأيام حول قضية المرأة التي تقول إنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، سواء كانت صادقة في دعواها أم لا، فذلك أمر لا يعلمه إلا الله، وما رافقها من موقف الشيخ حمد بن فدغم، ثم توافد أبناء القبائل إلى ما سُمِّي بـ”مطارح الكرامة”، يكشف حقيقة مؤلمة عن حجم الانحدار الذي وصل إليه الوعي اليمني، وعن الكيفية التي انقلبت بها المفاهيم رأسًا على عقب.
لقد تربينا على أن القبيلة هي ملاذ المظلوم، ونجدة الملهوف، وفزعة الخائف، وحصن الضعيف، وأنها آخر خطوط الدفاع عن كرامة الإنسان اليمني إذا غابت الدولة أو ضعفت. كانت القبيلة يومًا ما عنوانًا للنخوة، لا منصةً للاستعراض، ولا مسرحًا للشو الإعلامي، ولا ساحةً للمكايدات وإثبات الحضور أمام عدسات الكاميرات.
أكثر من أحد عشر عامًا واليمني يُذل صباح مساء. في الشمال، ينتهك الحوثيون كل عرف قبلي، ويهدمون ما تبقى من كرامة الناس، ويقمعون ويصادرون ويجندون ويجوعون الملايين. وفي الجنوب، لم تكن الحكومات المتعاقبة والشرعية المقيمة في الفنادق أكثر رحمة، فقد أوصلت المواطن إلى مرحلة صار فيها الحصول على أبسط مقومات الحياة إنجازًا يستحق الاحتفال.
خلال كل هذه السنوات، أين كانت تلك الحشود؟ وأين كانت تلك “الفزعات”؟ وأين كانت بيانات الغضب؟ وأين كانت مطارح الكرامة عندما كانت كرامة أربعين مليون يمني تُداس كل يوم؟
لم نرَ قبيلةً تحشد كما حشدت اليوم، ولم نرَ شيخًا يعلن النفير دفاعًا عن شعب كامل، رغم أن المظلمة هنا ليست قضية فرد، بل مأساة وطن بأكمله.
المفارقة الساخرة أن القبيلة التي تستطيع أن تجمع مئات الأطقم وآلاف المسلحين من أجل خلاف مع قبيلة أخرى، أو قضية شخصية، أو نزاع على قطعة أرض، أصبحت عاجزةً بصورةٍ غريبة عندما يتعلق الأمر بمن نهب البلاد، وأفقر العباد، وباع السيادة، وصادر حقوق الملايين.
صار القبيلي لا يقبل أن يُنتقص من حقه أمام قبيلي آخر، لكنه يقبل أن تُسحق كرامته وكرامة وطنه على يد من استولى على السلطة والثروة، وكأن الظلم يصبح مقبولًا إذا كان مرتكبه حاكمًا أو متنفذًا.
والأشد مرارة أن كثيرًا ممن يفترض أنهم شيوخ القبائل تحولت أدوارهم من قادة للمجتمع إلى بيادق على رقعة شطرنج، يُحرَّكون وفق مصالح القوى النافذة في الداخل والخارج. فمنهم من تُشترى مواقفه بحفنة من الدولارات، أو بطقم، أو بمنصب، أو بعقار، حتى فقدت المشيخة هيبتها، وفقدت القبيلة دورها التاريخي الذي كانت تهابه الدول قبل الأفراد.
وليس الاعتراض هنا على نصرة امرأة أو الوقوف مع شيخ قبيلة، فهذا في أصله من شيم العرب إذا كان الحق معهم، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
إذا كانت هذه الحشود قادرة على أن تتحرك خلال ساعات من أجل قضية فردية، فلماذا لم تتحرك طوال أحد عشر عامًا من أجل وطن يُنهب، وشعب يُجوَّع، وأطفال يموتون، ومستقبل يُسرق أمام أعين الجميع؟
بل ما الذي يجعل حق شخص واحد يستحق كل هذا الاستنفار، بينما حق ملايين اليمنيين لا يستحق حتى بيان استنكار؟
ثم يخرج علينا البعض متحدثًا باسم الكرامة!
أي كرامة هذه التي تغضب لفرد، ولا تغضب لوطن؟
إن كان ما تدعيه هذه المرأة صحيحًا، فلها حقها كاملًا، وإن لم يكن، فالأمر إلى الله. لكن ما لا يحتمل الجدل هو أن اليمني المقهور حقه ثابت، وجوعه حقيقي، وفقره حقيقي، وانهيار وطنه حقيقة يراها الجميع.
ولهذا يبدو المشهد وكأنه تجسيد حي للمثل الحضرمي البليغ:
*يصيد الشعرة… ويُخطئ البعرة.*
ننقب عن أصغر التفاصيل، ونقيم لها الدنيا، بينما نتجاوز أعظم الكوارث وكأنها أمر اعتيادي.
وهكذا أصبحنا نعيش في وطنٍ قد تجد فيه آلاف البنادق جاهزة للدفاع عن قضية فردية، لكنك تبحث طويلًا عن بندقية واحدة تُشهر في وجه من سرق الوطن، وأهان الإنسان، وجعل اليمني غريبًا في بلده.
وهنا لا تكمن المشكلة في القبيلة، بل فيمن اختزل القبيلة في موكب سيارات، وصف من المسلحين، وصور تُنشر على مواقع التواصل، بينما القبيلة في حقيقتها كانت منظومة قيم قبل أن تكون منظومة سلاح.
فالرجال لا يُقاسون بعدد الأطقم التي ترافقهم، وإنما بعدد المظلومين الذين أنصفوهم، ولا بعدد البنادق التي تُرفع في الهواء، بل بعدد الحقوق التي تُنتزع لأصحابها.
أما إذا بقيت كرامة اليمني تُستدعى عند الحاجة، وتُنسى عندما يكون المظلوم شعبًا كاملًا، فسنظل ندور في الحلقة نفسها، نحتشد لكل شيء… إلا للوطن.






