اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حضرموت بين نكبات الماضي ورهانات المستقبل: الاستفتاء هو الحل

حضرموت بين نكبات الماضي ورهانات المستقبل: الاستفتاء هو الحل

بقلم / أ. د. خالد سالم باوزير

إن المعاناة المريرة التي يتجرعها الحضارم خلال الأشهر الماضية — وتحديداً بعد أحداث يناير 2026 — لم تكن وليدة اللحظة، بل هي امتداد لمسلسل طويل بدأ منذ سقوط السلطنات التاريخية.

لقد تعرضت حضرموت لتدمير ممنهج شمل الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وحتى العسكرية؛ ويبدو أن هذا التدمير كان المخطط الثابت الذي انتهجه كل من حكم حضرموت، من مجالس رئاسية وحكومات متعاقبة.

بدأ هذا المسار منذ عام 1967، وهو اليوم الذي نُطلق عليه “يوم النكبة الحضرمية الأولى”، وصولاً إلى قيام دولة الوحدة في مايو الأسود عام 1990، والذي نعدّه “النكبة الحضرمية الثانية”.

في ظل هذه النكبات، عانت حضرموت من الضم القسري، واستُهدفت بالتغييب والاستخفاف والتدمير الممنهج في شتى المجالات. فمنذ عهد الجبهة القومية وصولاً إلى حكم الحزب الاشتراكي، عشنا تجارب “التأميم” القاسية التي أدت إلى شلل التجارة وحركة السوق، ومُعت الهجرة، وحُجّمت الكفاءات.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى تدمير النظام العسكري والأمني العريق في حضرموت، وعلى رأسه “جيش البادية” وقوات الأمن، فضلاً عن تقويض النظام الإداري والمالي الكفء الذي بُني في عهد الاستعمار البريطاني بالساحل والداخل (في ظل السلطتين الكثيرة والقعيطية)، وتهجير السلاطين إلى المنافي.

لقد ساقنا “الرفاق الاشتراكيون” من الجنوب إلى دولة اليمن الشمالي، تلك الدولة التي لم نكن نعرف عنها وعن نظامها السياسي إلا القليل، حيث كانت حضرموت تعيش في شبه عزلة؛ فالصحف الشمالية لم تكن تصل إلينا، ووسائل الإعلام لم تكن منفتحة ومتاحة كما هي اليوم.

كل ما كنا نعرفه أن أول رئيس لها هو السلال، وأنها تشهد انقلابات متكررة بين فترة وأخرى، وأنها مجتمع قبلي يحظى بانفتاح على العالم الخارجي.

وكان الحضرمي الراغب في السفر آنذاك يضطر للمخاطرة بالهروب إلى الشمال لشراء جواز سفر من صنعاء، ليتمكن من المغادرة إلى السعودية أو غيرها من الدول.

مرت على حضرموت قرابة ستة عقود، فماذا حصدت من دولتي النكبة الأولى والثانية؟
للأسف، نقلت الوحدة إلى حضرموت أسوأ ما فيها؛ من الرشوة، والفوضى، والانفلات الأمني، وحمل السلاح، وإحياء ثارات القبيلة.

ولعل التدمير الأكبر تمثل في غزو شجرة “القات” للمجتمع الحضرمي، حتى أصبحت لدى قطاع من الشباب عادة شبه يومية، تشكل استنزافاً مدمراً للمال، والشباب، والاستقرار الأسري.

وحين أُكتشف النفط في أرضنا، تحول من نعمة إلى نقمة؛ إذ تعامل معه المتنفذون في سلطة صنعاء — خاصة بعد حرب صيف 1994 — بوصفه ملكية خاصة وحقولاً تابعة لهم.

وامتد هذا الجشع ليطال الأرض والعقارات؛ حيث مُنحت مساحات شاسعة وقطع أراضٍ استراتيجية ببلاش للمتنفذين والقادة العسكريين القادمين من الشمال، لا لغرض السكن، بل للمتاجرة والكسب السريع على حساب أبناء الأرض، ليتحول العقار إلى تجارة حكرٍ عليهم.

وفي المقابل، حُرم آلاف الحضارم من الحصول على قطعة أرض، وإن حصل بعضهم على شيء، فإنه لا يتعدى تعويضات شحيحة من إدارة ما كان يُعرف بالإسكان.

لقد غدت المخططات السكنية بعد عام 1994 غنيمة بيد السلطة المنتصرة، توزعها بتوجيهات عليا من الرئيس أو الوزراء أو المحافظين المتعاقبين على القادة العسكريين والمسؤولين المتنفذين.

واليوم، بعد مرور أكثر من عشر سنوات على سقوط صنعاء بيد جماعة الحوثي، وجدنا أنفسنا في واقع سياسي واجتماعي آخر. وإذا ما تذكرنا وقوع حضرموت تحت سيطرة تنظيم القاعدة ثم تحريرها في عام 2015 بفضل تدخل قوات التحالف العربي — إثر انقلاب الحوثيين واحتلال عدن عام 2014، وطرد الرئيس الشرعي المنتخب حينها (المرحوم عبدربه منصور هادي) من صنعاء — نجد أن حضرموت ظلت، رغم كل هذه التحولات، تعاني أصناف الظلم، والتجاهل، ونهب الثروات والموارد من قِبل القوى المتنفذة ذاتها.

وعلى الرغم من الأحداث الأخيرة التي شهدتها حضرموت في يناير 2026، والتي تمثلت في محاولة فرض أمر واقع من قوات الانتقالي، ثم تدخل قوات التحالف لإعادة سلطة الدولة الشرعية بعد نفاذ المحاولات السلمية لانسحاب تلك القوات؛ فإننا لم نشهد أي تحسن يُذكر.

بل على العكس، استمر تدهور الخدمات وتردي الحياة المعيشية، وتواصل نهب الموارد، والإصرار على إبقاء حضرموت مجرد ورقة هامشية تعاني القهر والظلم في شتى مناحي الحياة.

وهنا يبرز السؤال المصيري: هل تظل حضرموت خاضعة ومستسلمة لهذه السلطات الظالمة؟!

إن الواجب اليوم يفرض على جميع الحضارم توحيد كلمتهم، ورص صفوفهم، والتفكير الجاد والمسؤول في المطالبة بحق تقرير المصير. هذا هو الخيار والمطلب الملّح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

يتطلب هذا المسار تحركاً واعياً ومدروساً لاستثمار كافة العلاقات الإقليمية، والعربية، والدولية، لحشد الدعم والاعتراف بحق الشعب الحضرمي في تنظيم استفتاء حر ومباشر؛ ذلك لأننا لا نجد من سلطة الأمر الواقع الحالية إلا التجاهل والتسويف والمماطلة.

يجب أن يكون الاستفتاء برعاية أممية، وبموافقة ودعم من المجتمع الدولي، لإرغام السلطة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي على تنفيذه والقبول بنتائجه تحت إشراف دولي وإقليمي صارم.

في تقديري واعتقادي، هذا هو الحل الحقيقي والوحيد للشعب الحضرمي. وبدون ذلك، فلا حلول تُرتجى من شرعية مغتربة وحكومة عاجزة عن انتشال الأوضاع المأساوية، بينما يستمر الفاسدون في نهب الثروات، وتعبئة جيوبهم، وتجويع الشعب وتدمير خدماته الأساسية.

آمل أن أكون بهذا المقال قد قدمت مساهمة متواضعة لإنقاذ حضرموت من مأزقها المفروض عليها بقوة السلاح والأمر الواقع.
هذا والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

إغلاق