اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

ميناء عدن وشراكة الترانزيت : هل الصراع على النفوذ وراء تصعيد الانتقالي ضد السعودية؟

ميناء عدن وشراكة الترانزيت : هل الصراع على النفوذ وراء تصعيد الانتقالي ضد السعودية؟

بقلم / عمار العامري
“صحفي ومحلل سياسي”

لا تبدو الدعوة الأخيرة التي أطلقها المجلس الانتقالي الجنوبي لتنظيم مليونية ضد الوجود السعودي حدثاً معزولاً عن السياق السياسي الذي تعيشه اليمن والمنطقة، فالأحداث السياسية تتحرك غالباً ضمن شبكة معقدة من المصالح والتحالفات وحسابات النفوذ.

ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير هذه المليونية باعتبارها رسالة سياسية تتجاوز الشعارات المرفوعة، فالمجلس الانتقالي، الذي يعتبر أحد أقرب القوى اليمنية إلى الإمارات، يجد نفسه اليوم أمام واقع سياسي مختلف عما كان عليه قبل سنوات، فمراكز النفوذ داخل المناطق المحررة أعيد تشكيلها منذ مطلع يناير الماضي، كما أن السعودية أصبحت اللاعب الأكثر تأثيراً في كثير من الملفات السياسية والعسكرية المرتبطة بالشرعية والسلطات المحلية.

هنا يبرز سؤال مهم: لماذا تظهر الحملات المناهضة للسعودية في هذا التوقيت تحديداً؟

أحد التفسيرات السياسية الممكنة هو أن ما يجري لا يتعلق بمواجهة مباشرة بين الانتقالي والسعودية أو القضية الجنوبية والسعودية، مثل ما يصورها إعلام الانتقالي، وانما يتعلق بعملية إعادة تفاوض على النفوذ، ففي العلاقات الإقليمية لا تستخدم الأطراف الرسائل الدبلوماسية فقط، بل تستخدم أيضاً الشارع والإعلام والحملات السياسية للضغط وتحسين شروطها التفاوضية.

وبهذا المعنى، قد تُقرأ المليونية باعتبارها رسالة غير مباشرة مفادها أن هناك قوة شعبية وسياسية قادرة على تحريك الشارع، وأن تجاهلها أو تضييق مساحتها السياسية قد يخلق إشكالات إضافية على الأرض،أي أن الحشد الجماهيري يتحول من وسيلة احتجاج إلى ورقة تفاوض.

والسؤال الأهم: ما الذي يمكن أن تتفاوض عليه الإمارات أو القوى القريبة منها داخل اليمن؟

الجواب لا يتعلق فقط بالمناصب او المساحات السياسية الممنوحة، ليمتد إلى ملفات النفوذ الاقتصادي والأمني والاستراتيجي، فالدول لا تنظر إلى اليمن باعتباره ساحة سياسية، بل باعتباره موقعاً جغرافياً يتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ومن هنا يصبح الحديث عن ميناء عدن أكثر أهمية من الحديث عن أي فعالية جماهيرية.

فعدن تعتبر مشروع اقتصادي كبير إذا أُعيد تشغيله بكامل طاقته، وأي نجاح حقيقي لميناء عدن في مجال الترانزيت وإعادة التصدير سيمنحه قدرة على استقطاب جزء من حركة التجارة البحرية المارة عبر المنطقة.

وبعد الإعلان عن شراكات صينية وخطط لإحياء نشاط الترانزيت واستقطاب الخطوط الملاحية الدولية، اصبح يُنظر إلى عدن باعتبارها مشروعاً قادراً على استعادة جزء من مكانتها التاريخية.

وهنا تظهر حساسية الملف بالنسبة للقوى الإقليمية المرتبطة بقطاع الموانئ والخدمات اللوجستية التي تسيطر عليه الإمارات بالمنطقة، فكل حاوية تمر عبر عدن هي نشاط اقتصادي لا يمر عبر ميناء آخر، وكل خط ملاحي يختار عدن، يخلق مركز ثقل جديداً في المنطقة.

لهذا، الصراع الحقيقي في المستقبل اصبح على الموانئ والممرات البحرية وسلاسل التجارة العالمية، فالميناء الناجح يجلب الاستثمارات ورؤوس الأموال والنفوذ الاقتصادي طويل الأجل.

وفي خضم هذه المعادلات، يلعب الإعلام التابع للأنتقالي دوراً محورياً، فالإعلام يركز بصورة كبيرة على المظلومية الجنوبية والهوية والقضية السياسية، وهي ملفات تمتلك قدرة عالية على تحريك المشاعر الشعبية،ولا شك أن لهذه القضايا حضوراً حقيقياً في وجدان قطاع واسع من الجنوبيين البسطاء.

لكن المشكلة تظهر عندما تتحول العاطفة إلى أداة تعبئة وإستثمار لجل مصالح اقتصادية واستراتيجية تضر الجنوب وموارده الحيوية، فالشعب يتفاعل مع الشعارات، بينما تدور في الخلفية معارك النفوذ والموانئ والاستثمارات وترتيبات القوة التي تهمش الجنوبيين انفسهم في المستقبل، وهذا يعتبر خيانة عظمى على من يعدونه حامل لقضيتهم بينمها هو يتاجر بها، وهذا ما توشير إليه أغلب الأحداث والتسلسلات.

لهذا قد يكون السؤال الأهم اليوم هو من يستطيع حماية المصالح الاقتصادية لعدن والجنوب واليمن عموماً، لأن النفوذ السياسي يتغير، والتحالفات تتبدل، أما الموانئ والمواقع الاستراتيجية فهي الثروة التي تبقى لعقود طويلة، وهنا ندرك أن الثوابت والمقدرات الوطنية لا يمكن حمايتها إلا بالحوار والتوافق، وهذا ما سعت إليه المملكة العربية السعودية التي يهمها حفظ مصالح الجوار.

علاوة على ذلك، قد يرى البعض في هذه المليونية معركة ضد السعودية، وقد يراها آخرون دفاعاً عن القضية الجنوبية، لكن القراءة الأعمق تقول أن ما يجري قد يكون جزءاً من عملية تفاوض إقليمي أوسع، تستخدم فيها الجماهير والشعارات كأوراق ضغط، بينما يبقى النفوذ الاقتصادي وموقع عدن الاستراتيجي في قلب الحسابات الحقيقية.

إغلاق