حديقة القطن.. من سيدة حدائق الوادي والصحراء إلى ذاكرة تتنفس الحنين
تاربة_اليوم / خاص
تقرير / اكرم النهدي
24 مايو 2026
في قلب مدينة القطن، وأمام ثانوية سيف بن ذي يزن، تقف حديقة القطن العامة اليوم شاهدة على زمن مضى، كأنها صفحة قديمة من كتاب جميل طوته الأيام وتركته بين الغبار والذكريات. هذه الحديقة التي كانت في ثمانينيات القرن الماضي إحدى أبرز المعالم السياحية والاجتماعية والثقافية في الوادي والصحراء، تحولت اليوم إلى بقايا تروي للأجيال قصة مكان كان يوماً نابضاً بالحياة.
عدسة الزميل الإعلامي أكرم النهدي أعادت فتح نافذة واسعة على الماضي، عندما رصدت ما تبقى من هذه القلعة الخضراء التي شكلت لعقود طويلة متنفساً عاماً ومقصداً للمواطنين والزوار، ومكاناً ارتبط في ذاكرة أبناء القطن بلحظات الفرح والجمال واللقاءات الاجتماعية.
لم تكن حديقة القطن مجرد مساحة خضراء أو موقع للتنزه فحسب، بل كانت عنواناً للنظافة والتنظيم والرقي في إدارة الأماكن العامة. كانت نموذجاً متميزاً في حسن الاستقبال والخدمات المقدمة، حتى أصبحت مضرب مثل في الوادي والصحراء في ذلك الوقت.
ويستعيد أبناء المدينة ذكريات تلك الأيام، حين كانت الحديقة تعج بالحياة منذ ساعات العصر وحتى المساء، حيث تجتمع العائلات والشباب والأصدقاء في جلسات ممتدة على ضفاف الحديقة وتحت ظلال الأشجار، وسط أجواء يختلط فيها عبق الطبيعة بنغمات الفن الحضرمي الأصيل.
ومن أكثر المشاهد التي لا تزال حاضرة في ذاكرة من عاشوا تلك المرحلة، رائحة الدجاج المشوي التي كانت تتصاعد من الشوايات وتنتشر في أرجاء المدينة، حتى باتت تلك الرائحة علامة مميزة للحديقة ومشهداً يومياً ينتظره الزوار بشغف. كانت وجبات الطعام والمشروبات والشاي الحضرمي تقدم في أجواء استثنائية جعلت المكان محطة لا يمكن تجاوزها.
ويتذكر كثيرون الدور الكبير الذي قام به المرحوم ولد الشرف عمر باحرز في إدارة الحديقة، حيث عُرف بحرصه على التنظيم والنظافة والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي صنعت الفارق الكبير، وأسهمت في منح الحديقة مكانتها الخاصة بين متنزهات المنطقة.
ولم تقتصر شهرة الحديقة على أبناء القطن والوادي فقط، بل كانت وجهة لعدد من الشخصيات الاجتماعية والسياسية والمسؤولين الحكوميين الذين زاروها في مراحل مختلفة، وتناولوا فيها الطعام والشاي الحضرمي، ومن بينهم شخصيات بارزة مثل صالح منصر وحيدر أبو بكر العطاس وعدد من الوزراء والمسؤولين.
واليوم، وبين الأشجار التي ذبل بعضها، والمرافق التي غابت عنها ملامح الزمن الجميل، يقف المواطنون أمام الحديقة وهم يسترجعون صور الماضي بحسرة ممزوجة بالحنين. يقول عدد من الشخصيات الاجتماعية وأبناء المدينة إن هذا المكان ليس مجرد حديقة، بل جزء من ذاكرة مجتمع كامل، ومخزون من الحكايات واللقاءات والذكريات التي يصعب نسيانها.
ويؤكد مواطنون أن ما حدث لحديقة القطن ليس حالة منفردة، بل صورة تتكرر في كثير من المرافق والأماكن العامة التي كانت تمثل يوماً ما واجهات حضارية وسياحية مهمة في مدينة القطن ومدن أخرى، قبل أن تتراجع بفعل الإهمال وغياب مشاريع التأهيل والتطوير.
تبقى حديقة القطن، رغم ما وصلت إليه، شاهداً صامتاً على مرحلة كانت فيها المدينة أكثر اخضراراً وحيوية، وأكثر امتلاءً بالأصوات والضحكات وروائح الشواء وألحان الفن الحضرمي. وربما لا يزال كثيرون يؤمنون بأن الأماكن التي صنعت ذاكرة الناس لا تموت تماماً، بل تنتظر فقط من يعيد إليها الحياة من جديد.






