اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

من يدير نفط المنحة السعودية في حضرموت؟ حين تتحول الحوكمة الغامضة إلى أزمة سياسية مفتوحة

من يدير نفط المنحة السعودية في حضرموت؟ حين تتحول الحوكمة الغامضة إلى أزمة سياسية مفتوحة

بقلم / عمار العامري
الجمعة 15 مايو 2026

“صحفي ومحلل سياسي”
في الأزمات الخانقة، تظهر أحيانًا تسريبات لقرارات تبدو في ظاهرها خلاف، بينما تخفي في عمقها صراعًا أوسع حول النفوذ وحق الإدارة، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الجدل المتصاعد حول تسريبات قرار المحافظ سالم الخنبشي الخاص بإيقاف ضخ النفط إلى خارج حضرموت، في لحظة تعيش فيها المحافظة واحدة من أكثر مراحلها حساسية على مستوى الخدمات وردود الفعل المتصاعدة من الشارع العام.

بينما كثيرون تعاملوا مع التسريبات الإعلامية كخطوة تصعيدية مرتبطة بأزمة الكهرباء، غير أن المشهد يحمل أبعادًا أعمق ترتبط مباشرة بطريقة إدارة المنحة النفطية السعودية وآليات الحوكمة والرقابة المصاحبة لها، وهي النقطة التي بدأت تثير أسئلة متزايدة داخل حضرموت وخارجها, وقد تحدث المحافظ بكل وضوح في اجتماع المكتب التنفيذي عن الفساد المرتبط بملف إدارة المنحة.

فالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن تحدث منذ البداية عن لجان رقابة وآليات إشراف وتنظيم لعملية شراء إنتاج شركة بترومسيلة لصالح الكهرباء، في محاولة لإظهار أن الملف يدار وفق ترتيبات مؤسسية تمنع الهدر وتضبط التوزيع، غير أن البيان، رغم وضوحه في الحديث عن “الحوكمة”، تجنب بصورة لافتة تحديد الجهات اليمنية التي تملك القرار الإداري داخل هذه المنظومة، وهنا تحديدًا بدأت مساحة الغموض السياسي.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه الفجوة إلى سؤال يتردد في الشارع والنخب المحلية: من يدير فعليًا ملف المنحة؟ ومن يحدد أولويات التوزيع؟ وأين تقف السلطة المحلية من كل ذلك؟

في المقابل تصريحات المحافظ الخنبشي السابقة حول ضرورة حصول حضرموت على نسبة من النفط المنتج داخل المحافظة حملت دلالة سياسية واضحة، فالرجل تحدث بلغة تعكس شعورًا متناميًا داخل السلطة المحلية بأن حضرموت تتحمل العبء الشعبي والخدمي، بينما يتحرك القرار الفعلي في دوائر أبعد من السلطة التنفيذية بالمحافظة.

ومع كل انقطاع للكهرباء، تتحول قيادة حضرموت إلى الواجهة الأولى لغضب الشارع، في حين تبقى آليات الحوكمة والرقابة بعيدة عن الصورة الكاملة للرأي العام، الأمر الذي خلق حالة من الإرباك السياسي والإداري، وأدخل السلطة المحلية في معادلة معقدة: مسؤولية مباشرة أمام الناس، مقابل تأثير محدود على القرار المرتبط بإدارة المنحة وآلية توزيعها.

ومن هنا يمكن فهم قرار وقف ضخ النفط أو حتى التلويح به إعلاميًا باعتباره رسالة سياسية أكثر من كونه إجراءً فنياً يتعلق بالكميات أو الجوانب التشغيلية، فحضرموت، وفق هذا السياق، تحاول إعادة فتح ملف “الشراكة في القرار”، لا مجرد المطالبة بتحسين ساعات الكهرباء.

وهذا ما يمنح القضية بعدًا أكبر من مجرد أزمة خدمات، فالمحافظة التي تنتج الجزء الأهم من النفط في مناطق الحكومة ترى أن حضورها داخل دوائر إدارة الملف النفطي ما يزال أقل من حجم الثقل الاقتصادي والسياسي الذي تمثله، خاصة مع تصاعد الحديث عن لجان حوكمة ورقابة لا تظهر تفاصيلها كاملة للرأي العام.

وفي خضم هذا الجدل، عاد البعض لاستحضار تصريحات رشاد محمد العليمي المتعلقة بمنع التدخل في عمل شركة النفط، باعتبارها مؤشرًا على وجود حساسية داخل السلطة نفسها تجاه ملف إدارة الإيرادات والطاقة، وهي حساسية تكشف حجم التشابك بين الاقتصاد والسياسة في المرحلة الحالية.

فالقضية هنا تتجاوز النفط ومشتقاته كسلعة، وتمس طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، وبين السلطة المحلية والجهات المشرفة على الموارد، وبين الشارع ومؤسسات الإدارة، وكلما اتسعت مساحة الغموض داخل هذه الملفات، اتسعت معها مساحة الشكوك والتوتر السياسي.

لهذا حضرموت اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد، فالمحافظة التي قدمت نفسها طويلًا بوصفها نموذجًا للاستقرار النسبي، تجد نفسها تدريجيًا داخل نقاش مفتوح حول من يملك القرار في ثروتها، ومن يتحمل مسؤولية أزماتها، ومن يحدد شكل العلاقة بينها وبين مشاريع الدعم الإقليمية.

وفي مثل هذه الملفات، تتحول الشفافية من مجرد مطلب إداري إلى ضرورة سياسية، لأن أي مشروع اقتصادي أو خدمي يُدار بعيدًا عن الشراكة المحلية الواضحة، يتحول مع الوقت من أداة استقرار إلى مصدر دائم للتوتر، خاصة في بيئة مثقلة بالأزمات، وساحة تتداخل فيها المصالح المحلية والإقليمية بصورة معقدة.

إغلاق