إلى متى وحضرموت لا تستوعب الدرس؟
بقلم / الشيخ الساسي خالد عبدالله العامري
الاربعاء 24 يونيو 2026
من خلال نظرتي التحليلية والسياسية لما نلاحظه اليوم في حضرموت، نجد أن المؤشرات لا تبشر بخير فيما يتعلق بمستقبل المحافظة، في ظل وجود طرف آخر يعمل منذ أكثر من اثني عشر عاماً وفق خطط هادئة ومدروسة لتقييم الأوضاع في حضرموت وبقية المحافظات اليمنية.
وينصب التركيز الأكبر على محافظتنا حضرموت؛ حيث عملت بعض الأطراف بكل ما تستطيع على تمزيق المحافظة سياسياً وعسكرياً وقبلياً ومجتمعياً، من خلال إنشاء أحزاب ومكونات وهبات، وفتح دكاكين سياسية جديدة لا تزال تتكاثر حتى هذه اللحظة، بدعم وتمويل من أطراف خارجية. وفي الوقت الذي يُرفع فيه شعار دعم استقرار اليمن وحضرموت، يشاهد المواطن على أرض الواقع عكس ذلك تماماً من خلال تدهور حياته اليومية، حتى في أبسط الخدمات والمطالب الأساسية التي تجاوزتها دول كثيرة منذ سنوات طويلة، بينما ما زلنا نعاني من أزمات متلاحقة بسبب تلك المكونات التي تجاوز عددها أصابع اليدين والرجلين.
إن كثيراً من هذه المكونات لا تستطيع الحفاظ على حاضنة شعبية حقيقية تتجاوز 5% من المواطنين، وحتى المكونات التي يُعتقد أنها تحظى بقدر من الثقة الشعبية لا تتجاوز نسبة تأييدها 30%، وذلك بسبب أداء قياداتها الذي بات مكشوفاً للمواطن. فالكثير منهم يبحث عن مصالحه الخاصة أكثر من بحثه عن مصالح المواطنين، ويتحدثون باسم حضرموت وأبنائها البسطاء، بينما تؤدي تحركاتهم في كثير من الأحيان إلى مزيد من الانقسام وإضعاف وحدة الصف الحضرمي. وفي ظل استمرار هذا الواقع، فإن المشهد العام في حضرموت لا يبشر بخير.
ويزداد القلق مع التغييرات التي شهدتها الحكومة خلال الفترة الماضية، حيث يرى كثير من المواطنين أن بعض المسؤولين الذين لامسوا هموم الناس وسعوا إلى معالجة مواطن الخلل قد واجهوا عراقيل من قوى متنفذة لا ترغب في أي إصلاح حقيقي. ونتيجة لذلك، انعكس هذا الوضع سلباً على حياة المواطن ومعيشته، حتى باتت الثقة بقدرة المؤسسات على إحداث تغيير ملموس تتراجع يوماً بعد آخر.
وأجزم أن أي دعم اقتصادي أو مالي، مهما كان حجمه ومصدره، لن يحقق أهدافه المرجوة إذا لم يُدار بشفافية وكفاءة، وإذا لم يصل أثره إلى المواطن بصورة مباشرة. فالمشكلة ليست في حجم الدعم فقط، بل في كيفية إدارته وتوظيفه لخدمة الناس وتحسين أوضاعهم المعيشية.
أما في الجوانب الأخرى، فإن الوضع لا يختلف كثيراً؛ فالجانب العسكري والأمني، وكذلك الجوانب القبلية والمجتمعية، تواجه تحديات واختراقات متعددة، وهو ما يجعل المحافظة أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية. وقد ساهمت سنوات طويلة من الانقسامات والخلافات في إضعاف الجبهة الداخلية وإتاحة الفرصة للآخرين للتأثير في مسار الأحداث.
وفي المقابل، لا ينبغي أن نلقي كامل اللوم على الدول الأخرى أو نجعلها شماعة نعلق عليها أخطاءنا. فمرة نحمّل الإمارات المسؤولية، ومرة السعودية، وربما غداً دولاً أخرى. لكن الحقيقة أن المشكلة تبدأ من الداخل عندما تغيب الرؤية الموحدة، ويعمل كل طرف وفق مصالحه الخاصة، وتتسع دائرة الخلافات والحقد والكراهية بين أبناء المجتمع الواحد بسبب تلك المكونات الكرتونية التي لا تقدم حلولاً حقيقية بقدر ما تعمق الأزمة.
إن الحل يكمن في إعادة ترتيب البيت الحضرمي من الداخل، وتوحيد الصف، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة، والعمل على الحد من حالة التشظي السياسي والمجتمعي التي أضعفت المحافظة. وعندها فقط يمكن أن نستبشر خيراً بمستقبل أفضل لحضرموت، أما استمرار الوضع الراهن فسيجعل الاختراق والتأثير الخارجي أمراً سهلاً ومستمراً.
فالمواطن اليوم لا يريد شعارات ولا صراعات سياسية، بل يريد أمناً واستقراراً، وتنمية اقتصادية حقيقية، وخدمات أساسية تحفظ كرامته، ويريد أن يرى ثروات بلاده تنعكس على حياته ومعيشته ومستقبل أبنائه.
حفظ الله اليمن عامة، وحضرموت خاصة، وجنبها الفتن والانقسامات، وألهم أبناءها الحكمة والتكاتف لما فيه خير المحافظة والوطن.






