حراثة الأمم والأفراد
بقلم | أ. سالم مدفع بن قوقه
الجمعة 15 مايو 2026
قبل سنوات عديدة، سُئل أحد المؤرخين الكبار عن سرّ التحولات الكبرى التي تمرّ بها الأمم، فاختصر المشهد بصورة بديعة:
إن التاريخ لا يسير دائمًا في خطٍّ هادئ… بل تمرّ به لحظاتُ “حراثة”.
الأرض إذا تُركت على حالٍ واحد، واستمرّ زرعها دون توقف، تبدأ خصوبتها بالضعف، وتتسلل إليها الأعشاب الضارّة، وتتكاثر فيها الطفيليات، حتى تبدو من ظاهرها عامرة… وهي في باطنها تفسد شيئًا فشيئًا.
وهنا لا يكون العلاج بالتزيين السطحي… بل بحرثٍ عميق، يقلب التربة، ويعرّض ما خفي منها للشمس والهواء، فتُزال العوالق، وتعود الأرض أصلبَ عودًا، وأغزرَ عطاءً.
وهكذا شأن المجتمعات…
تمرّ عليها فتراتُ رخاءٍ واستقرار، لكنها مع الزمن قد تمتلئ بما لا يُرى:
فسادٌ يتسلل في القيم،
ضعفٌ في التدين والالتزام ،
اعتيادٌ على الظلم والجرائم،
تراكمٌ للغفلة حتى يصبح المنكر مألوفًا، والخلل طبيعيًا..!
فإذا بلغ ذلك مداه… جاءت “حراثة قدَر الله وسننه الكونية الثابتة ”.
فتنٌ، وصراعات، وأزمات متنوعة اقتصادية وسياسية واجتماعية وتربوية ، وربما حروب طاحنة…
تبدو في ظاهرها قاسيةً مؤلمة، لكنها في عمقها تفكك التراكمات، وتكسر الجمود، وتعيد ترتيب الأولويات، وتُسقِط الزيف الذي كان متماسكًا في زمن السكون.
ليست كل آلام التاريخ عبثًا…
بل كثيرٌ منها عملياتُ تطهيرٍ عميقة، لا تُرى حكمتها إلا بعد حين.
كم من أمةٍ لم تستفق إلا بعد صدمة،
وكم من واقعٍ لم يتغيّر إلا حين ضاقت السبل،
وكم من زيفٍ لم ينكشف إلا حين اشتدّت العواصف.
إنها سنّة:
أن الله إذا أراد تجديد الحياة… حرّكها من جذورها.
لكن المعنى الأهم…
أن هذه السنّة لا تخصّ الأمم وحدها، بل تمتدّ إلى حياة الأفراد.
فالإنسان أيضًا… أرض.
قد تمتلئ أيامه بالانشغالات النفسية، وتتراكم في قلبه طبقاتٌ من الغفلة،
تُضعف حرارة الإيمان،
ويَبهت حضور المعنى،
ويعيش وهو يظن أنه بخير… بينما روحه تفتقر إلى النور والحياة ..!
وهنا… تأتي “حراثة الفرد”.
ابتلاءٌ يهزّه،
آلام توقظه،
محن تعصر قلبه،
مواقفٌ تكسر غروره.
فتنقلب حياته…
لا لأن الله أراد به الشر،
بل لأنه أراد أن يوقظه من الداخل.
كم من إنسانٍ لم يعرف حقيقة نفسه إلا بعد ألم،
ولم يذق صدق اللجوء إلى الله إلا بعد محن،
ولم يتطهّر من تعلقاته الدنيوية إلا بعد أن سُحبت منه.
تلك اللحظات التي نظنها انكسارًا…
هي في حقيقتها كشف ضروري.
تُخرج ما في القلب إلى السطح،
وتعرّضه لنور التوبة،
وتعيد ترتيب الحياة من جديد.
وليست المشكلة في أن تمرّ بنا الأزمات…
بل في أن تمرّ بنا دون أن نُحرث..!
أن تبقى الأرض كما هي،
وأن يبقى القلب كما هو،
رغم كل ما مرّ عليه..!
أما من فهم سنّة الله…
فإنه لا ينظر إلى البلاء كحدثٍ عابر،
بل كرسالةٍ عميقة:
ماذا يُراد أن يتغيّر في داخلي؟
ما الذي آن أوان اقتلاعه؟
وأيّ معنى ينبغي أن يعود حيًّا في قلبي؟
إن في طيّات الابتلاءات رحمةً خفيّة،
وفي عمق الألم ميلادًا جديدًا،
وفي قلب العواصف فرصةً لا تُمنح في أوقات السكون.
فإذا مرّت بك “حراثة” في حياتك…
فلا تنشغل فقط بوجعها وآلامها،
بل تأمّل في حكمتها وما بعدها.
فقد لا تكون هذه الفوضى إلا بداية ترتيب ذاتي ضروري ،
ولا هذا الانكسار إلا أول طريق القوة والعزيمة ،
ولا هذا الألم إلا بابًا لصفاءٍ ووعي وإدراك لم تعرفه من قبل.
إنها سنّة الله…
أن يُنبت أعظم الثمرات…
بعد أعمق التقليب.






