اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

وجه مشقاصي.. فارس الشعر واللحن سالم بن عمرو الغرابي

وجه مشقاصي.. فارس الشعر واللحن سالم بن عمرو الغرابي

بقلم | صالح مبارك الغرابي
الخميس 7 مايو 2026

بحكم القرب الجغرافي، فمنذ طفولتنا الأولى ونحن نسمع ما يتردد على مسامعنا من أشعار وألحان كثيرة، ولأكثر من شاعر وملحن. وهذه الأشعار والألحان على كثرتها كانت تلاقي منا الرضا والإعجاب الكبير، مع دندناتنا لها في الخلوة وحتى في أماكن الازدحام لما لها من جماليات.

وشيء طبيعي ونحن نمر بتلك المرحلة، مرحلة الطفولة، أن يكون لدينا شغف المعرفة، فكنا دائماً ما نسأل: لمن كل هذه العطاءات الشعرية واللحنية المنهمرة علينا كغيث المزون التي تنبت من نزوله الأرض فتتحول من جدباء قاحلة إلى جداول يكسوها الاخضرار؟

أسئلتنا ولهفتنا لمعرفة من هم شعراء وملحنو تلك الدرر الثمينة دائماً ما تلاقي الإجابة التالية، ومن أكثر من مصدر موثوق به، من أن أغلب تلك الأشعار والألحان للشاعر الشاب سالم بن عمرو الغرابي الملقب “العكر” الذي ظهر لتوّه في تلك الفترة، فترة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

فننظر لطول تلك الفترة الممتدة من سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والتي بدأ فيها هذا الشاعر يعطي عطاءً غير عادي وفي أكثر من لون غنائي، وحتى اللحظة، فهو قدم من إبداعات شعرية ولحنية ما لا يُعد ولا يُحصى، وما قدمه كان له صدى واسع وشهرة كبيرة.

المشقاص التي اتخذ منها سكنه الحالي، ومنها الانطلاقة والعودة إليها، كانت حاضرة في كثير من أشعاره القديمة والجديدة، وحظيت المشقاص وأهل المشقاص بعناية خاصة منه، ليس في الشعر فحسب، بل في أشياء كثيرة.
ولكن يحق لنا أن نذكر شيئاً من أشعاره التي اختص بها المشقاص الأرض والإنسان دون سواها من الأماكن، فنسمع شيئاً من قديمه المتجدد:

يا مروّح الريدة
تجمّل معانا سلّم على أهل الكرم والزيانة
وقلهم قلبي مولع ومشطون
عذبتنا يا قرة العين والنون

كذلك قوله في إحدى روائعه الغنائية:
وجهت وجهي قِدى المشرق
وقلت يا قلبي العاشق
إن كان ما تقدر تفارق
البعد أحسن من الفرقة
وليش يا قلب ما تقنع وتقول خيرة في العشقة

فعلاً كما قال العكر: “البعد أحسن من الفرقة” لأن البعد قد يأتي باللقاء، أما الفرقة فهي فرقة، وهي محنة كما قال شاعر آخر.

ثم يضيف في بيت آخر على نفس الأغنية:
محبة أهل المشارق حق
أوصى بها ربنا من فوق
واللي مثيلي بها صدق
يجوز له منها صدقة
وليش يا قلب ما تقنع وتقول خيرة في العشقة

المشقاص لا يخلو ذكرها في شعر هذا الشاعر، وكيف لا يحصل هذا وهو، أي العكر، من هام فيها هيام العاشق الولهان، بل افتتن بما فيها من الجمال الرباني الذي غطى البشر والحجر والشجر، فانعكس شعراً ولحناً آخاذاً أمامنا كمحبين مثله لهذه الأرض.

لن نُبعد بكم بعيداً، بل نبقى في أجواء شعر العكر، ففي إحدى روائعه الغنائية القديمة يظهر مدى امتعاضه وغضبه من تغير طبع الحبيب نحوه، هذا التغير الذي تبدل تبدلاً كبيراً حتى أصبح غير مقبول عنده، فيقول:
انته إذا طبعك تبدل
ونفسك بلا مقياس تقبل
ويدك بدت عالناس تطول
ولفتها ع الهوش
أنا عادها نفسي عفيفة ما تقبل المغشوش

ثم يضيف لتوضيح كيف كان هذا الحبيب قبل أن يحصل هذا التغير:
نا كنت بك فالقوم مُثّل
وشوفك مثيل الشهر لاهل
لكن ذا من قبل تهمل
طلوعك وربط الخوش

في البيت القادم يظهر قناعته التامة من هذا الحبيب المتعجرف وغير المقدّر له، بل إنه يظهر تحوله الذي كان هذا الحبيب هو السبب، وهو من بدأه بتلك التحولات، فيقول:
ماليوم نا قلبي قد تحول
وفي عشقتك مانا مطوّل
لأنه خطأ أهوى مغفّل
حالي بالنكد والشوش
أنا عادها نفسي عفيفة ما تقبل المغشوش

العكر شاعر وملحن أثرى الساحة بالكثير من الأشعار والألحان، وما يؤلم حقاً هو عدم إعطائه شيئاً من حقه، خصوصاً في التدوين، أي أنه أحق بأن نرى له ديواناً شعرياً يحفظ حقه من السطو والسرقة التي طالت أشعار وألحان الكثير.

كذلك معرفة الناس بأشعار العكر التي أتت من فترات زمنية طويلة ولا تزال تتوالى علينا، محدثة بدواخلنا شيئاً من الفرح في زمن القحط الشعري واللحني الحاصل، بعدما فقدت ساحتنا الكثير من الشعراء والملحنين الكبار.

العكر حتى وإن عُرف واشتهر بين الناس كشاعر وملحن كبير، إلا أن له إسهامات مجتمعية كثيرة وله أيادي بيضاء في أعمال الخير، وكنت شاهد عيان على كثير من تلك الأعمال التي لن أخوض فيها لأن العكر يريدها لوجه الله وليس للظهور والتباهي.

أخيراً:
أمنية تراودنا جميعاً كعشاق ومحبين لأشعار هذا الشاعر، في أن نرى أشعاره في متناول أيدينا من خلال تدوين أشعاره ورقياً في ديوان يليق به.
وهذه الأمنية ليست بالصعبة ولا بالشيء المستحيل تحقيقه، ولكنها مع تقاعس الجهات ذات العلاقة تتطلب تضافر جهود الجميع، كلٌّ من مكانه، حتى يصبح هذا الديوان المتمنَّى تحقيقه أمام ناظرينا، فالشاعر العكر أعطى ولا يزال يعطي العطاء الغزير من الإبداعات الشعرية واللحنية.

إغلاق