قل كل يعمل على شاكلته
كتب / زكي علي صبيح
الاربعاء 22 نوفمبر 2023
يعجب البعض من إنتشار الخلافات المذهبية و الفكرية و الفقهية داخل إطار الدين الواحد . فيقول : هل ديننا واحد وإسلامنا واحد أم هي إسلامات متعددة !!؟؟
ولعلنا ذكرنا في مقالنا السابق الفرق بين الدين والتدين ، وأن الدين هو الوحي المنزل على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم . وأما التدين فهو فهم البشر لهذا الدين وأفهام البشر قد تختلف والنصوص الشرعية قد تحتمل أكثر من معنى لذا قالوا : القرآن حمال معان .
ومعنى ذلك ليس بالضرورة أن يكون مفهوم واحد على صواب ولكن قد تكون عدد من المفاهيم المستندة على النص الشرعي صواب مادامت تخضع لضوابط الإستنباط والإستخراج من النص الشرعي المعبر عنه بالدين ..
يقول المشرع الحكيم تعالى في علاه : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين▪️إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم
فلوجود الخلافات بين الناس حكم إلاهية تحار لها العقول .. بحثها المختصون في موضعها ..
و لتتضح الصورة نضرب هذا المثال من واقعنا . لو أن رجلين جالسين على مائدة متقابلين ووضعنا بينهما قصاصة ورقية مكتوب عليها هذا الرقم ( ٨ ) وسألناهما ماهذا الرقم لقال أحدهما سبعة وقال الآخر ثمانية !! فكلاهما على صواب لأنه رأى الرقم من زاويته ، كذلك هو نظر العلماء إلى النصوص الشرعية . شريطة أن يكون هذا النظر مستند إلى قواعد الإستنباط .
فأين المشكلة إذا ؟؟ تتجلى المشكلة والمعضلة في العصبية الممقوتة لدى بعض المنتسبين إلى هذا الدين على آرائه واجتهاداته ، والتي ربما في كثير من الأحوال لا تخضع لقواعد الإستنباط ورفضه لمن يخالفه وإن خضع اجتهاد المخالف للقواعد .
والمعضلة الأكبر تكمن في أن هذه الإجتهادات العقيمة يتخول بها البعض صلاحية الوصاية على الأمة ، والتكفير لأهل القبلة ، والتبديع والشتم .. ومن ثم يفضي به ذلك إلى استحلال سفك دماء الأبرياء العزل بناء على هذا الاجتهاد المنحرف والعصبية الساحقة ..
إن ديننا الإسلامي دين مرن يتسع للجميع ويقبل الجميع و يأمر أهله بمعايشة من كفر وجحد أسس وأصول الشريعه ، أفلا يسمح لأهله أن يتعايشوا ويتعاونوا على ما اتفقوا عليه ويعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه !!
إن الآراء المتعددة المختلفة داخل إطار الدين الواحد دالة على سعة الدين والمنهاج مادامت لم تفرق صفوفهم ، ولم تشتت شملهم ،ولم تخول لهم التطاول على بعضهم ، ولم تكن سبيلا للمغرضين والمترصدين في أن يمزقوا شمل الأمة ووحدتها واجتماعها على الأصول والثوابت ..
بل كانت سبيل لتقبل بعضهم ومعايشة بعضهم وعذر بعضهم ..
إن الإجتهادات القائمة على المنظومة المعرفية والوعي وحسن الإدراك للمقاصد تلعب دورا تكامليا في داخل المجتمع المسلم للمتأمل والحاذق اللبيب ..
فلندع عنا العصبية ولتتسع صدورنا لبعض فإن ديننا واحد ، ولتتناغم إجتهاداتنا تناغم الماء في جداول السقيا .. لاسيما أننا نواجه هجمة شرسة لا ترحم ، تعصف بالأخضر واليابس !! تريد أن بنا وتعبث بثوابت ديننا وقواعده وأصوله .. في جيل المعاصرة .
والخلاصة : ليعي مجتمعنا بأنه ليس كل إجتهاد معتبر ، و أن فهم النص وفق الضوابط والقواعد لا يخول لي أن أرفض فهم غيري وأرده جملة وتفصيلا ، وأجر المجتمع إلى دائرة من النزاع والخصام المقيت .
وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى عن مرونة الفهم لنصوص الدين : قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب..
ولاسيما أن الاسلام ضمن حرية الإعتقاد للبشرية فقال تعالى في الدستور الخالد : لا إكراه في الدين .
أفلا يضمن لنا حرية الإختيار والفكر ، شريطة ألا يكون ذلك على حساب سحق ومحق الآخرين و سبهم وإيذائهم وازدرائهم وتكفيرهم واستحلال دمائهم .. وفق فهم قد يصيب وقد يخطأ !!
فمهما ضبط الإنسان انفعالاته وتصرفاته وأقواله وأفعاله فليمضي وفق قناعاته فله الخيار في حياته فالقرآن الخاتم قال : ( قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا )
والدنيا قبل الآخرة ستبين المحق من المبطل .. والصواب من الخطأ . وقد قالوا قديما : كادت الدنيا أن تكون دار جزاء – أي قبل الآخرة – ( ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) فلنفقه ذلك ونعيه حق الفقه والوعي وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون .
على أننا من منطلق قناعاتنا بما توصلنا إليه من حقائق هذا الدين نهتف وننادي بكل شفقة ورأفة وطمأنينة بأن :
١. نتحلى بالإنصاف لبعضنا .
٢. ننحى بسفينة الشعوب إلى بر الأمان والسلامة والإستقرار بكل معانيه ..
وأملنا أن نجتمع في حضرة الله وحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الحق وقد عمنا الرضاء وجزيل العطاء ..






