إيران وأمريكا…من تفكيك القوة إلى فرض النهاية
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
8 نوفمبر 2026
في مقالاتي السابقة، من «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» إلى «حوار الطرشان»، ثم «أمريكا بدأت تفكيك إيران»، كنت أتابع انتقال المواجهة من المساومة على الاتفاق إلى الصراع على أدوات القوة التي تحدد شروطه. واليوم، يعود السؤال بصورة أشد خطورة: هل تكتفي واشنطن بإضعاف إيران، أم تنتقل إلى محاولة فرض نتيجة سياسية لم تستطع الضربات وحدها انتزاعها؟
تطورات الأيام الأخيرة تكشف استمرار المسارين معًا. فقد نقلت رويترز في الخامس من نوفمبر إرسال طهران مقترحًا نوويًا عبر قطر، مع اشتراط تنفيذ مطالب إيرانية قبل مناقشته؛ بينما تتمسك واشنطن بإدراج الملف النووي منذ بداية التفاوض. نحن أمام خلاف على ترتيب التنازلات بقدر ما نحن أمام خلاف على مضمون الاتفاق.
وفي السادس من نوفمبر، أعلن ترامب ضربة محدودة جديدة استهدفت منظومة دفاع جوي إيرانية، بالتزامن مع استمرار الاتصالات.
وهنا أرى ملامح المرحلة المقبلة: مفاوضات تحت النار، وضربات تسعى إلى تغيير شروط التفاوض، وخصمان يريد كل منهما تحميل الآخر كلفة الانتظار.
لقد كان جوهر قراءتي في «أمريكا بدأت تفكيك إيران» أن استنزاف أدوات القوة قد يحقق لواشنطن ما لا يحققه احتلال الأرض. لكن هذا التصور يواجه الآن اختباره الأصعب: تدمير القدرة العسكرية لا يضمن وحده تغيير القرار السياسي. فقد يخسر النظام بعض أدواته، ثم يرفض التنازل لأنه يرى في شروط التسوية تهديدًا لبقائه أو لطبيعة سلطته.
ولهذا أتوقع أن تتركز الجولة المقبلة، إذا فشلت الوساطة، على منع إيران من استعادة ما فقدته، وزيادة كلفة إعادة بناء قوتها. وقد تأخذ صورة ضربات متقطعة وضغوط اقتصادية متصاعدة، تتخللها فرص تفاوض قصيرة. وفي هذا السيناريو، تصبح كل محاولة إيرانية للترميم مدخلًا إلى جولة ضغط جديدة.
غير أن قدرة أمريكا على التدمير لا تعني قدرتها على التحكم الكامل في النتائج. فالنظام الذي يشعر بأن التراجع يهدد تماسكه قد يختار توسيع الأزمة، حتى وهو يعرف اختلال ميزان القوة. والخطر هنا أن تُقرأ محدودية الرد الإيراني باعتبارها عجزًا دائمًا، أو تُقرأ محدودية الضربة الأمريكية باعتبارها خوفًا من التصعيد؛ فتولد الحرب الأوسع من خطأ في الحساب، لا من قرار معلن منذ البداية.
أما المتغير الأمريكي، فهو دخول مرحلة ما بعد الانتخابات النصفية. وقد تزامن الاقتراع مع تصريحات لترامب أبقى فيها احتمال استئناف العمليات مفتوحًا، مع تأكيد استمرار الاتصالات غير المباشرة.
لكن تجاوز موعد الانتخابات لا يمنح الرئيس حرية مطلقة للحرب. ففي تقديري، ستظل كلفة الطاقة، واحتمال سقوط خسائر أمريكية، وطول المواجهة، عوامل تضغط على القرار. وقد تدفع هذه الحسابات إلى البحث عن إنجاز سريع يمكن تقديمه بوصفه حسمًا، أو إلى قبول تسوية يمكن تسويقها باعتبارها انتصارًا. لذلك لا أرى أن انتهاء الانتخابات، وحده، دليل على حتمية الهجوم الشامل.
وفي المقابل، قد تراهن طهران على أن الوقت يرهق خصمها سياسيًا واقتصاديًا. لكن لهذا الرهان وجهًا آخر: فالوقت الذي تنتظر فيه تغير الحسابات الأمريكية قد يستنزف مواردها ويعمق أعباء الداخل. معركة الانتظار ليست مضمونة لأي طرف؛ السؤال هو من يستطيع تحمّلها، وبأي ثمن.
وتبقى إسرائيل عاملًا يمكن أن يغيّر إيقاع المواجهة. فتقاطع أهدافها مع واشنطن لا يضمن تطابق تقديراتهما بشأن توقيت الضربة أو حدود التسوية. وأي تحرك إسرائيلي يضع أمريكا أمام تبعات عسكرية مباشرة قد يختصر المسافة بين الضغط المحسوب والتصعيد الواسع. وهذا احتمال ينبغي مراقبته، لا التعامل معه باعتباره قرارًا اتُّخذ.
وبناءً على ذلك، أرجّح استمرار الضغط العسكري المحدود والتفاوض المتعثر في المدى القريب، ما لم يقع حدث كبير يغيّر حسابات الطرفين. أما الحرب الأوسع، فيرتفع احتمالها إذا سقط عدد كبير من الأمريكيين، أو وقع تصعيد نووي يصعب احتواؤه، أو امتدت الهجمات الإقليمية بما يفشل محاولات ضبطها.
ويبقى الاتفاق المرحلي احتمالًا قائمًا أيضًا؛ لكنه لن يمثل تحولًا حقيقيًا ما لم يتضمن التزامات قابلة للتحقق، وتسلسلًا واضحًا للتنفيذ، وعواقب معلومة عند الإخلال. وإلا عدنا إلى الحلقة نفسها: هدنة تمنح كل طرف فرصة للاستعداد للجولة التالية.
وفي هذه المعادلة، أرى أن المصلحة السعودية والخليجية تقتضي الجمع بين قوة الردع والعمل الدبلوماسي، ورفض تحويل أمن المنطقة إلى ورقة تفاوض بين الآخرين. فأي اتفاق يعالج المخاوف الأمريكية ويترك دول الخليج أمام التهديد نفسه سيكون اتفاقًا ناقصًا، مهما ارتفعت الاحتفالات به.
ولا ينبغي الخلط بين إضعاف النظام الإيراني وانهياره، أو بين انهياره وولادة استقرار تلقائي. فهذه نتائج مختلفة، ولكل منها شروطها وتكاليفها. والمطلوب للمنطقة هو إنهاء مصادر التهديد، وحماية الشعوب والمنشآت والاقتصادات، وتجنب فوضى جديدة تتجاوز حدود إيران.
ما أتوقعه، إذن، هو انتقال الصراع إلى اختبار القدرة على تحويل القوة إلى نتيجة سياسية. واشنطن تريد تنازلات تتناسب مع ضغطها، وطهران تريد إثبات أن بقاءها يمنع فرض تلك التنازلات عليها.
لقد بدأت معركة تفكيك القوة؛ أما المعركة الأصعب فهي فرض النهاية. ومن يملك الضربة الأقوى، لا يملك بالضرورة الكلمة الأخيرة.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






