اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

من اليمن إلى مكة: هل نحن أمام إرهاصات مرحلة كبرى؟

من اليمن إلى مكة: هل نحن أمام إرهاصات مرحلة كبرى؟

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : انس علي باحنان
21 سبتمبر 2026

كان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني»؛ فكان يسأل عن الفتن لا حبا في معرفتها، وإنما طلبا للنجاة منها. وأخبره النبي ﷺ عن فتن تتتابع، وعن شر يأتي بعد الخير، وعن أناس يدعون إلى أبواب جهنم، وعن مراحل من الفتن يشتد فيها الالتباس حتى يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا.
ولعل هذه المعاني تستحق أن نستحضرها اليوم، ونحن نشهد مشهدا إقليميا بالغ الخطورة، تتداخل فيه الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية مع إيران، وتتسع ساحاته لتشمل الخليج واليمن والبحر الأحمر ومضيق هرمز، فيما أصبحت السعودية نفسها في قلب دائرة التهديد.
فما يجري في اليمن لم يعد ملفا يمنيا منفصلا؛ فقد اتسعت المواجهات، وتصاعدت الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية والمنشآت والممرات الحيوية ، فيما شهدت المنطقة تحركات عسكرية وسياسية متسارعة.
منها ظهور ملامح جديدة في التعاون الدفاعي الإسلامي؛ فقد وقعت السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس 2026 اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا، وتعزيز التعاون الدفاعي بينها. ثم اجتمعت اللجان السياسية والدفاعية والعسكرية للدول الثلاث في إسطنبول في 31 أغسطس، وفي 19 سبتمبر أعلنت تركيا استعدادها للنظر في الاحتياجات العسكرية السعودية في مواجهة الهجمات الحوثية.
وهنا تتضح خطورة المشهد: فالحرب لم تعد محصورة في جبهة واحدة، بل تتقاطع فيها إيران، وأمريكا، وإسرائيل، واليمن، والخليج، وتركيا، وباكستان، والبحر الأحمر، وباب المندب، وهرمز، والطاقة والممرات البحرية.
والأخطر من ذلك أن دائرة الصراع اقتربت من مكة المكرمة؛ فقد أعلنت السعودية في 16 سبتمبر اعتراض طائرة مسيرة جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور، بينما نفت جماعة الحوثي استهداف مكة. ومهما يكن من حقيقة الجهة المقصودة، فإن مجرد وصول التوتر العسكري إلى محيط أطهر بقاع الأرض يجعل المشهد بالغ الحساسية والخطورة.
وهنا لا بد أن نتوقف أمام سؤال أكبر:
هل يمكن أن تكون هذه الأحداث مجرد صراعات سياسية وعسكرية عابرة، أم أنها قد تكون ـ من حيث لا نشعر ـ إرهاصات لمرحلة أشد مما عرفه العالم الإسلامي؟
لا يجوز لنا أن نجزم بتعيين حدث معاصر بأنه المقصود في حديث نبوي معين، فذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. لكن النبي ﷺ أخبرنا أن الأمة ستمر بفتن عظيمة وملاحم متتابعة، وحذر من فتن «كقطع الليل المظلم»، وحث على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن تشتد، حتى يبيع بعض الناس دينهم بعرض من الدنيا قليل.
وجاء في حديث آخر عن فتنة الدهيماء أنها تمس الأمة مسا شديدا، حتى «يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه»،
كما أخبر النبي ﷺ عن ملحمة عظيمة في آخر الزمان، فقال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق…»، ثم ذكر ما يتبع ذلك من أحداث جسام، منها نزول عيسى ابن مريم عليه السلام.
لكن العبرة ليست في أن نقول: هذه هي الملاحم قطعا وما نعيشه اليوم هي ارهاصات لها ؛ وإنما العبرة أن ندرك أن الفتن إذا اشتدت لا يكون النجاة منها بكثرة التحليل السياسي وحده، وإنما بالثبات على الإيمان، ولزوم الحق، والاعتصام بالله، وعدم بيع الدين بالمواقف والمصالح.
وقد يكون من سنن الله أن تحمل بعض المحن في ظاهرها شرا عظيما، بينما تفتح في باطنها أبوابا من الوعي والتصحيح وإعادة ترتيب الصفوف.
وربما تكون هذه المرحلة ـ إن اتسعت ـ مرحلة تمحيص ؛ تسقط فيها مشاريع، وتصعد أخرى، وتنتهي أوهام، وتنكشف حقائق، وتعيد الأمة النظر في مفهوم قوتها ووحدتها وعلاقتها بدينها وبقضاياها الكبرى.
ومن اللافت أن التعاون الدفاعي الجديد بين السعودية وتركيا وباكستان يأتي في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، بما يفتح بابا جديدا للتعاون بين دول إسلامية ذات ثقل استراتيجي. وليس من الممكن بعد الجزم بما ستؤول إليه هذه الترتيبات أو إلى أي مدى ستتطور عسكريا وسياسيا، لكن المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة من إعادة تشكيل التحالفات.
أما اليمن، فيبقى ـ للأسف ـ إحدى أكثر ساحات هذه العاصفة تعرضا للارتدادات؛ فكلما اتسعت الحرب الإقليمية انعكست آثارها على اليمنيين، وكلما أصبحت الجغرافيا اليمنية جزءا من صراع الممرات والطاقة والأمن الإقليمي ازدادت كلفة الحرب على الإنسان اليمني.
ولذلك فإن أخطر ما ينبغي أن نخشاه ليس مجرد اتساع رقعة النار، وإنما أن تتحول الأمة إلى ساحات متفرقة، بينما يتآكل وعيها من الداخل.
إن أحاديث الفتن والملاحم ليست مادة لإثارة الخوف أو صناعة النبوءات السياسية، وإنما هي ـ قبل كل شيء ـ منارات للثبات.
فإذا رأى المؤمن اضطراب العالم من حوله، وتداخلت الرايات، وكثرت الفتن، وتشابكت المصالح، وتغيرت التحالفات، فعليه أن يتذكر أن النبي ﷺ قد أخبرنا بأن الأمة ستمر بمثل هذه المراحل، وأن النجاة ليست في الركض خلف كل راية، ولا في بيع المبادئ عند أول اختبار، وإنما في الثبات على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
ولعل ما نراه اليوم يكون فصلًا من فصول التحولات الكبرى التي ستعيد تشكيل المنطقة والأمة، ولعل وراء هذه المحنة من السنن الإلهية ما لا نراه الآن.
وكما قال أحد الكتاب والمحللين :
( فالحرب القادمة، إن اتسعت بهذا الشكل، قد لا يخرج منها العالم الإسلامي كما دخل إليها.
قد تسقط مشاريع، وتصعد مشاريع؛ وقد تتغير خرائط النفوذ والتحالفات؛ وقد تدفع الأمة ثمنًا باهظًا من الدماء والاقتصاد والأمن.
لكنها ـ في الجانب الآخر ـ قد تخرج من هذه المحنة أكثر وعيًا بحقيقة دينها، وأكثر إدراكًا لحاجتها إلى وحدتها،٠ وأكثر تمسكًا بعقيدتها وهويتها، وأكثر قدرة على٠ التمييز بين الحق والباطل.
والطريق قد يكون شديد الصعوبة… )
لكن المؤمن لا يقرأ الفتن بعين الخوف وحدها؛ بل يقرأها أيضًا بعين اليقين:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
فلنستعد للثبات، لا للتنبؤ؛ وللحق، لا للانحياز الأعمى؛ وللإيمان، لا للهلع.
ولننتظر ونرَ… فربما يكون ما يحدث الآن بداية فصل أخطر من المعركة على الإسلام والمسلمين، وربما يكون ـ في الوقت نفسه ـ بداية وعي جديد للأمة بما لم يكن يخطر لها على بال.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق