فاتورة لا يملك المواطن قرارها
بقلم | عبد العزيز بن حليمان الجابري
الجمعة 18 سبتمبر 2026
ليست كل الفواتير تُدفع بالمال وحده فهناك فواتير تُدفع من الأعصاب ومن راحة البال ومن كرامة المواطن التي تُستنزف يوماً بعد آخر.
بالمصادفة كنت في أحد محلات صيانة المكيفات بالمكلا حين دخل رجل يحمل مكيفاً محترقاً بعدما أنهكته انقطاعات الكهرباء وعودتها المتكررة .. وضع المكيف أمام المهندس ففحصه بعناية ثم قال بهدوء يحتاج إلى إصلاح والتكلفة 200 ريال سعودي .. صمت الرجل قليلاً وانحنى رأسه وهو يتمتم بحسرة راتبي كله أقل من ثمانين ألف ريال يمني وعاده ما نزل والف من ينتظره والمهندس يقول لي 200 ريال سعودي!! ثم أشار إلى المكيف وقال: والله ما خربه تقصيري اللي خربه طفي ولصي مؤسسة الكهرباء وأقسم ان هذا المكيف الوحيد في البيت أنام تحته أنا وأولادي جميعاً .. ثم سكت لحظة قبل أن يقول بحرقة: لماذا كل شيء صار بالريال السعودي ونحن رواتبنا بالريال اليمني؟ فلتُحوَّل رواتبنا إلى سعودي أو دولار؟ يحسبوننا بعثات وملحقيات خارج الوطن! ثم نظر إليّ وسألني : من الأحق أن يدفع ثمن إصلاح هذا المكيف؟ الحكومة أم أنا؟
لم أجد جواباً فماذا يمكن أن تقول لرجل يدفع فاتورة الكهرباء ثم يدفع ثمن انقطاعها وعودتها المفاجئة وبعد ذلك يُطلب منه أن يتحمل تكلفة إصلاح ما تسببت به تلك الانقطاعات من تلف أجهزته ثم يقف أمام الأسعار بمرتب لا يكاد يكفي أساسيات الحياة.
المواطن لا يطلب رفاهية ولا امتيازات يريد كهرباء مستقرة وراتباً يحفظ كرامته وسوقاً يستطيع أن يواجه أسعاره بما يحصل عليه من دخل.
من يحمي المواطن من فاتورة أخطاء لا يملك قرارها؟
قد يُصلح المكيف وقد يُستبدل بآخر لكن من يعيد لهذا الرجل ما استنزفته هذه الظروف من راتبه وأعصابه وراحته؟
غادرت المحل لكن الرجل بقي في ذاكرتي لم يكن يحمل مكيفاً محترقاً على كتفه فقط بل كان يحمل وجعا يتكرر في بيوت كثيرة ويختصر معاناة مواطن أصبح مطالباً بدفع فواتير متتالية بينما لا يملك حتى قرار أبسط أسباب حياته.






