17 سبتمبر 1967…
يوم خيانة بريطانيا لحضرموت
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
18 سبتمبر 2026
هناك تواريخ تمر في حياة الشعوب ثم تصبح صفحات في الكتب، وهناك تواريخ تبقى جرحاً مفتوحاً؛ لأن الحقيقة الكاملة لما جرى فيها لم تُكشف بعد.
وفي تاريخ حضرموت يقف 17 سبتمبر 1967 واحداً من تلك الأيام.
فهو ليس مجرد يوم سقوط السلطنة القعيطية، ولا مجرد محطة في نهاية الوجود البريطاني في جنوب الجزيرة العربية، بل يوم يفرض سؤالاً لا يزال قائماً بعد تسعة وخمسين عاماً:
ماذا فعلت بريطانيا بحضرموت قبل أن ترحل؟
وأقولها بوضوح: 17 سبتمبر 1967 كان، في قراءتي، يوم خيانة بريطانيا لحضرموت.
ولا أقصد بالخيانة أن بريطانيا كان يجب أن تبقى. كان عليها أن ترحل، فالحماية الأجنبية لا ينبغي أن تكون أبدية. وإنما الخيانة، كما أراها، كانت في الكيفية التي رحلت بها، وفي المصير الذي تُركت إليه حضرموت.
حضرموت لم تكن جزءاً من اتحاد الجنوب العربي
هذه حقيقة مهمة لفهم ما حدث.
ففي يونيو 1967، أي قبل سقوط السلطنة القعيطية بأقل من ثلاثة أشهر، كانت الحكومة البريطانية نفسها تتحدث عن القعيطية والكثيرية والمهرة باعتبارها دول المحمية الشرقية غير المنضمة إلى اتحاد الجنوب العربي. كما كانت تناقش مستقبلها وأمنها وقواتها بصورة منفصلة.
إذن، لم تكن حضرموت محافظة تابعة لكيان سياسي في عدن تنتظر انتقال السلطة معه تلقائياً.
ومن هنا يأتي السؤال:
إذا كانت القعيطية والكثيرية خارج اتحاد الجنوب العربي، فمن قرر أن يصبح مصير حضرموت جزءاً من الدولة الجديدة التي قامت بعد رحيل بريطانيا؟
شهادة سمعتها من السلطان غالب نفسه
وهنا أسجل شهادة لا أنقلها عن كتاب أو موقع إلكتروني أو شخص ثالث.
لقد سمعتها مباشرة من السلطان غالب بن عوض القعيطي نفسه.
حدثني السلطان غالب عن واحدة من أخطر اللحظات في الأيام الأخيرة للسلطنة. وبحسب ما رواه لي، فقد استدعاه البريطانيون شخصياً إلى لندن، وهناك سُلِّم خطاب إلغاء الحماية البريطانية عن حضرموت.
وهنا يفرض السؤال نفسه:
لماذا لندن؟
نحن نتحدث عن خطاب يمس علاقة حماية ومستقبل دولة وكيان سياسي كامل.
فلماذا يُستدعى سلطان حضرموت إلى عاصمة الدولة الحامية ليتلقى قرار إنهاء الحماية، بدلاً من أن يتم الإبلاغ الرسمي في حضرموت أو عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة؟
لا أزعم هنا أن البروتوكول الدبلوماسي يفرض بالضرورة مكاناً واحداً لتسليم مثل هذا الخطاب؛ فهذا يحتاج إلى دراسة الوثائق والإجراءات البريطانية آنذاك.
لكن غرابة المشهد تظل تستحق السؤال:
سلطان حضرموت يُستدعى إلى لندن ليتسلم قراراً سيغير مصير حضرموت!
ثم تأتي، بحسب ما رواه لي السلطان غالب، الحلقة الأخطر.
لندن من جهة… وسويسرا من جهة أخرى
ذكر لي السلطان غالب أن فريقاً بريطانياً ذهب في اليوم نفسه إلى سويسرا للتعامل مع الجبهة القومية بشأن حضرموت.
وهنا نحن أمام رواية تاريخية بالغة الخطورة تستحق البحث في الأرشيف البريطاني حتى آخر وثيقة.
فإذا أثبتت الوثائق البريطانية هذا التسلسل كما رواه السلطان غالب، يصبح السؤال:
هل كانت بريطانيا تُنهي التزامها تجاه سلطان حضرموت في لندن، بينما تتحرك في الوقت نفسه للتفاهم مع القوة السياسية التي ستسيطر لاحقاً على حضرموت؟
من كان في الفريق البريطاني؟
ومن قابل في سويسرا؟
ومن مثّل الجبهة القومية؟
وماذا دار في الاجتماع؟
وهل كان مصير القعيطية والكثيرية مطروحاً على الطاولة؟
والأهم:
بأي صفة كان مستقبل حضرموت يُناقش من دون أن يقرر الحضارم أنفسهم مصيرهم؟
وسويسرا ليست تفصيلاً عابراً
المثير أن الوثائق الرسمية للأمم المتحدة تؤكد أن جنيف كانت بالفعل مسرحاً لتحركات سياسية مرتبطة بسلاطين المحمية الشرقية خلال تلك الفترة.
ففي وثائق عام 1967 ورد أن السلطانين القعيطي والكثيري توجها إلى جنيف لمقابلة بعثة الأمم المتحدة، وأن المفوض السامي البريطاني شجعهما على القيام بذلك. كما ورد أنهما وصلا إلى جنيف في نهاية أغسطس بعد المرور ببيروت والقاهرة.
هذه الوثائق لا تثبت وحدها كل تفاصيل ما رواه السلطان غالب عن الفريق البريطاني، ولذلك يجب ألا نقول إنها تفعل.
لكنها تثبت شيئاً مهماً:
جنيف وسويسرا كانتا بالفعل داخل مسرح الأحداث السياسية المتعلقة بمصير المنطقة في تلك الأيام.
بل إن وثائق الأمم المتحدة تسجل أيضاً أن سلاطين القعيطية والكثيرية والمهرة أرسلوا في أكتوبر 1967 برقية إلى الأمين العام للأمم المتحدة تضمنت اتهامات لبريطانيا بمساندة الجبهة القومية، وهي اتهامات نفتها بريطانيا رسمياً.
وهذا يعني أن الجدل حول الدور البريطاني لم يولد بعد نصف قرن؛ بل كان قائماً في عام 1967 نفسه.
ثم جاء 17 سبتمبر
في ذلك اليوم انتهى الحكم القعيطي، وبدأ فصل جديد من تاريخ حضرموت.
لكن السؤال الذي لم يُجب عنه حتى اليوم هو:
أين كان الحضارم من تقرير مصير حضرموت؟
إذا كانت حضرموت ممثلة بسلطنتيها خارج اتحاد الجنوب العربي، وكانت بريطانيا مرتبطة بهما بعلاقات حماية، وكان مستقبل المنطقة يجري بحثه دولياً، فلماذا لم يُعرض مستقبل حضرموت على أهلها؟
أين الاستفتاء؟
هل يريد الحضارم دولة مستقلة؟
أم اتحاداً حضرمياً؟
أم استمرار السلطنتين في صيغة دستورية جديدة؟
أم الانضمام إلى الدولة التي ستقوم في عدن؟
لا أقول إنني أعرف ماذا كان سيختاره الحضارم عام 1967.
وهذه تحديداً هي القضية: لم يُتح لهم أن يخبرونا عبر استفتاء حر ماذا يريدون.
الاستقلال… استقلال مَن؟
قيل طويلاً إن عام 1967 كان عام «الاستقلال».
نعم، خرجت بريطانيا وانتهى وجودها الاستعماري.
لكن خروج بريطانيا شيء، وحق حضرموت في تقرير مصيرها شيء آخر.
هل استقلت حضرموت فعلاً؟
أم انتهت الحماية البريطانية لتنتقل حضرموت مباشرة إلى سلطة سياسية جديدة لم يُستفتَ الحضارم على الانضمام إليها؟
هذا هو السؤال التاريخي الذي ينبغي ألا يُدفن تحت الشعارات.
حضرموت لم تولد عام 1967
حضرموت لم يصنعها قرار في عدن.
ولم تولد مع دولة الجنوب.
ولم تولد مع الوحدة اليمنية عام 1990.
حضرموت كانت موجودة قبل كل تلك الكيانات السياسية الحديثة.
لها تاريخها ومدنها ومجتمعها وسلطناتها ومؤسساتها وامتدادها البشري والتجاري عبر الجزيرة العربية والمحيط الهندي وشرق أفريقيا والهند وجنوب شرق آسيا.
تغيرت الأنظمة، وبقيت حضرموت.
سقطت السلطنتان، وبقيت حضرموت.
قامت دولة الجنوب وانتهت، وبقيت حضرموت.
قامت الوحدة وتلتها الحروب والأزمات، وبقيت حضرموت.
لأن هوية عمرها قرون لا تبدأ بقرار سياسي صدر عام 1967، ولا تنتهي بقرار سياسي آخر.
افتحوا ملفات لندن
لهذا، وبعد تسعة وخمسين عاماً، لا يكفينا الغضب ولا الروايات المتوارثة.
نريد الوثيقة.
نريد خطاب إنهاء الحماية الذي تحدث عنه السلطان غالب.
نريد تاريخ الخطاب ورقمه ونصه.
نريد معرفة من استدعاه إلى لندن، ومن قابله، ومن سلّمه الخطاب.
ونريد ملفات الخارجية البريطانية المتعلقة بسويسرا وجنيف.
نريد أسماء المسؤولين البريطانيين وتحركاتهم ومحاضر اجتماعاتهم ومراسلاتهم مع عدن والمكلا ولندن.
ونريد وثائق جيش البادية الحضرمي.
ثم نضع شهادة السلطان غالب إلى جانب الوثائق البريطانية والأممية، ونترك التاريخ يتحدث.
الخيانة لم تكن في الرحيل… بل في طريقة الرحيل
ولهذا عندما أقول إن 17 سبتمبر 1967 كان يوم خيانة بريطانيا لحضرموت، فأنا لا أطالب ببقاء بريطانيا.
كان عليها أن ترحل.
لكن بعد عقود من الحماية والنفوذ والمسؤولية السياسية والعسكرية، كان ينبغي أن يكون السؤال قبل الرحيل:
ماذا يريد الحضارم؟
لا:
لمن ستُترك حضرموت؟
وبحسب ما سمعته مباشرة من السلطان غالب، فإن الصورة تستحق تحقيقاً تاريخياً كاملاً:
سلطان حضرموت يُستدعى إلى لندن ويتسلم خطاب إنهاء الحماية، وفي اليوم نفسه ـ وفق شهادته ـ يتحرك فريق بريطاني إلى سويسرا للتعامل مع الجبهة القومية بشأن حضرموت، ثم تسقط السلطنة بعد ذلك وتدخل حضرموت في كيان سياسي جديد من دون استفتاء أهلها على مصيرهم.
هذه الشهادة يجب ألا تبقى رواية شفوية.
يجب أن تتحول إلى ملف توثيق حضرمي يبحث في أرشيف بريطانيا والأمم المتحدة حتى تظهر الوثائق كاملة.
وعندها يستطيع التاريخ أن يجيب عن السؤال الذي بقي معلقاً منذ 1967:
هل خرجت بريطانيا من حضرموت… أم رتبت لمن تترك حضرموت؟
افتحوا الأرشيف.
أخرجوا الوثائق.
اكشفوا محاضر لندن وجنيف.
وقارنوا ما قالته بريطانيا بما قاله سلاطين حضرموت، وبما حدث فعلاً على الأرض.
فحضرموت لا تحتاج إلى أسطورة لمواجهة أسطورة؛ حضرموت تحتاج إلى الحقيقة.
وبقيت الحقيقة الأكبر:
حضرموت لم تبدأ في 17 سبتمبر 1967… لكن في ذلك اليوم بدأ فصل من تاريخها ما زلنا حتى اليوم نطالب بكشف جميع أسراره.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
17 سبتمبر 2026






