اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

17 سبتمبر و 2 أكتوبر 1967م: حضرموت وسقوط السلطنتين وتحول المسار التاريخي

17 سبتمبر و 2 أكتوبر 1967م: حضرموت وسقوط السلطنتين وتحول المسار التاريخي

تاربة ــ اليوم /كتابات واراء

بقلم: البروفيسور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ

17 سبتمبر 2026م

ليس التاريخ أرقامًا وأحداثًا تتعاقب على صفحات الكتب، ولا مجرد أسماء لحكام ودول وأنظمة تتبدل بتبدل الأزمنة؛ فالتاريخ، في جوهره العميق، هو ذاكرة الشعوب، وامتداد هويتها، وسجل علاقتها بالأرض والسلطة والسيادة والمجتمع. ومن هذا المنظور، فإن يومي 17 سبتمبر و2 أكتوبر 1967م لا يمكن قراءتهما في الذاكرة الحضرمية باعتبارهما مجرد انتقال إداري أو تبدل في نظام الحكم، وإنما بوصفهما لحظة مفصلية أعادت تشكيل المسار السياسي والاجتماعي والاقتصادي لبلاد حضرموت، وأغلقت مرحلة تاريخية طويلة، وفتحت مرحلة أخرى تركت آثارًا عميقة ما زالت أصداؤها حاضرة في الوعي الحضرمي إلى اليوم.
ويأتي هذا المقال امتدادًا وتطويرًا لما تناولناه في مقالنا السابق المنشور في 17 سبتمبر 2025م حول هذه اللحظة المفصلية من تاريخ حضرموت؛ غير أنه لا يكرر ما سبق، بل يسعى إلى تقديم قراءة أوسع وأعمق، تضيف إلى السرد التاريخي أبعادًا سياسية واجتماعية واقتصادية وجيوسياسية، وتعيد وصل أحداث سبتمبر وأكتوبر 1967م بمسار التحولات التي أعقبت سقوط السلطنتين، وصولًا إلى أسئلة الهوية والقرار السياسي ومستقبل حضرموت.
كانت حضرموت، قبل تلك اللحظة، فضاءً تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا متميزًا، له مؤسساته وسلطاته المحلية وبنيته الاجتماعية وعلاقاته الإقليمية والدولية، كما كانت لها صلات واسعة بعالم المحيط الهندي والجزيرة العربية وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا. ولم تكن خصوصيتها مجرد شعور وجداني لدى أبنائها، بل كانت حقيقة تاريخية وجغرافية واجتماعية تناولتها دراسات أكاديمية حديثة، تؤكد أن بلاد حضرموت كانت كيانًا متميزًا داخل الجغرافيا المعروفة اليوم، وأن هويتها السياسية والاجتماعية تطورت تاريخيًا بصورة خاصة.
وفي هذا السياق، يكتسب سقوط السلطنتين القعيطية والكثيرية أهمية استثنائية؛ فهما لم تكونا مجرد بنيتين إداريتين عابرتين، بل كانتا التعبير السياسي عن مرحلة تاريخية من تاريخ حضرموت، بما لها من مؤسسات وقواعد حكم وعلاقات داخلية وخارجية. ولذلك فإن انهيارهما لم يكن مجرد سقوط شخصين من سدة الحكم، بل كان انتقالًا جذريًا من بنية سياسية تاريخية إلى مشروع سياسي جديد أراد وبالقوة القهرية أن يعمل على تشكيل حضرموت ضمن إطار جنوبي مركزي أوسع.
وتتوقف الذاكرة الحضرمية بصورة خاصة أمام صباح 17 سبتمبر 1967م، حين كان السلطان القعيطي غالب بن عوض القعيطي وعدد من الشخصيات السلطانية على متن سفينة قبالة المكلا، في الوقت الذي كانت فيه الجبهة القومية قد تمكنت من بسط نفوذها داخل المدينة. وتؤكد الدراسات التاريخية أن السلطان القعيطي لم يتمكن من العودة إلى البر، وأن وفدًا من الجبهة القومية منعه من الدخول إلى مدينة المكلا.
أما الروايات الحضرمية المحلية فتضيف إلى هذه الواقعة تفاصيل أكثر حدة، فتتحدث عن صعود ممثلين للجبهة القومية إلى السفينة، وممارسة ضغوط على السلطان، وطرح وثيقة للتنازل عن الحكم، مع رواية تفيد بأن السلطان رفض التوقيع على الوثيقة المقدمة إليه وكتب وثيقة تنازل بخط يده. وهذه التفاصيل ينبغي أن تبقى في إطار الرواية التاريخية المحلية ما لم تتوافر لها جميع الوثائق الأولية المستقلة التي تحسمها، لكنها تظل جزءًا مهمًا من الذاكرة الحضرمية المتعلقة بتلك اللحظة المظلمة من تاريخ بلاد حضرموت.
وهنا تظهر المسألة الأعمق: لم يكن إسقاط الحكم القعيطي حدثًا منفصلًا عن مشروع سياسي أوسع، فقد كانت الجبهة القومية قد عملت قبل ذلك على اختراق مؤسسات محلية، ومن بينها الفيلق الحضرمي البدوي (جيش البادية الحضرمي) وبعض أجهزة الأمن، واستطاعت بناء نفوذها داخل البنية المحلية قبل أن تنتقل إلى السيطرة السياسية المباشرة. وتذكر دراسة الدكتور نويل بيرهوني أن الكفاح المسلح في حضرموت بدأ في أبريل 1967م، وأن عودة السلاطين في سبتمبر جاءت في لحظة كانت فيها موازين القوى قد تغيرت بصورة شبة جوهرية.
ثم جاءت محطة 2 أكتوبر 1967م لتكتمل بها صورة التحول التاريخي، حين انتهى الحكم الكثيري في سيئون، وبذلك أُسدل الستار على السلطنتين القعيطية والكثيرية معًا. وإذا كان 17 سبتمبر 1967م يمثل في الذاكرة الحضرمية لحظة سقوط الحكم القعيطي في الساحل، فإن 2 أكتوبر 1967م يمثل اكتمال التحول في وادي حضرموت وسقوط الحكم الكثيري؛ ومن ثم فإن قراءة التاريخ الحضرمـي بصورة صحيحة تقتضي الجمع بين التاريخين وعدم اختزال النكسة السياسية في يوم واحد.
والأخطر من سقوط السلطنتين أن التحول لم يتوقف عند تغيير السلطة السياسية، بل اتجه إلى إعادة صياغة البنية الحضرمية نفسها. فقد أصبحت حضرموت جزءًا من دولة جنوبية مركزية تقودها الجبهة القومية، ثم تطورت التجربة لاحقًا إلى نظام أكثر راديكالية، وصولًا إلى قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وترسيخ النموذج الاشتراكي، قبل أن تتحول الجبهة القومية رسميًا إلى الحزب الاشتراكي اليمني عام 1978م.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من المأساة الحضرمية في تلك المرحلة: المشكلة لم تكن فقط في تبدل اسم الحاكم أو شكل النظام، وإنما في انتقال مركز القرار بعيدًا عن البيئة الحضرمية نفسها، وفي إخضاع القرار المحلي لمنظومة سياسية مركزية أوسع لا يوجد للحضارم قرار فعَّال ومؤثر فيها. وتوثق المصادر أن محاولة بعض قيادات الجبهة القومية في حضرموت عام 1968م إعلان (دولة حضرموت) انتهت بتدخل السلطة القمعية في عدن وإزالة القيادة المحلية وإخضاع بلاد حضرموت بصورة مباشرة للمركز هناك في عدن، الأمر الذي أنهى عمليًا أي احتمال لاستقلال القرار الحضرمي في تلك المرحلة.
ولعل التحول الأعمق الذي حمله عام 1967م لم يكن في تغيير السلطة وحده، وإنما في انتقال مفهوم الشرعية السياسية من شرعية تاريخية محلية ارتبطت بالمؤسسات السلطانية وبنية المجتمع، إلى شرعية ثورية تستمد مشروعيتها من الجبهة القومية ومن خطاب التحرير وإعادة بناء الدولة. وهذا الانتقال يستحق دراسة مستقلة؛ لأن الصراع لم يكن صراعًا على موقع الحاكم فحسب، بل كان صراعًا على السؤال الأعمق: من يملك حق تمثيل حضرموت، ومن أين تستمد السلطة مشروعيتها، وهل تكون إرادة المجتمع المحلي مصدرًا للشرعية أم تُستمد الشرعية من مشروع سياسي أوسع يتجاوز حدود حضرموت؟
لقد كانت تلك اللحظة، من منظور علم الاجتماع السياسي، بداية صراع طويل بين خصوصية المجتمع الحضرمي الصلبة وبين نموذج الدولة المركزية العقائدية. فالمجتمعات لا تدار بالحدود الجغرافية وحدها، وإنما بالذاكرة والمؤسسات والرموز وشبكات المصالح والانتماء. وحين تفرض على مجتمع ذي خصوصية تاريخية منظومة سياسية لا تنسجم مع بنيته التاريخية والاجتماعية والثقافية، فإن النتائج لا تظهر فورًا فقط، وإنما تمتد آثارها عبر الأجيال.
ولذلك فإن الحديث عن آثار الجبهة القومية ثم الحزب الاشتراكي اليمني في حضرموت لا ينبغي أن يكون حديثًا عاطفيًا مجردًا، بل يجب أن يستند إلى وقائع قابلة للفحص. فقد شهدت دولة الجنوب خلال السنوات التالية سياسات تأميم ومصادرة وإعادة توزيع للملكية، شملت الأراضي الزراعية والمصالح التجارية والبنوك وقطاعات النقل والاتصالات والممتلكات الخاصة، وأحدثت هذه الإجراءات تحولًا جذريًا في البنية الاقتصادية والاجتماعية.
وكانت حضرموت بحكم بنيتها التجارية والعقارية والاجتماعية، وارتباط كثير من أسرها بالتجارة والهجرة والاستثمار، من المناطق التي كان لهذه التحولات أثر خاص ومؤلم عليها. ولم يكن الأمر اقتصاديًا فقط، بل ارتبط كذلك بتفكيك كثير من البنى التقليدية وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع والملكية والنخب الاجتماعية. ولهذا فإن دراسة تلك المرحلة تتطلب النظر إليها بوصفها عملية إعادة هندسة اجتماعية وسياسية واسعة، لا مجرد تحول أيديولوجي عابر.
ثم جاءت موجات الإقصاء والصراع السياسي والعنف السياسي التي شهدها الجنوب، وما ترتب عليها من اعتقالات ومغادرات قسرية وهجرة واسعة للنخب والكوادر، لتضيف طبقة أخرى إلى الجرح الحضرمي. وتذكر دراسة (حضرموت وشتاتها) أن المرحلة الأولى من دولة الجنوب كانت مضطربة وعنيفة، وأن عشرات الآلاف غادروا البلاد، وكان من بينهم عدد كبير من الحضارم.
ومن هنا يصبح من المشروع تاريخيًا أن يقول الباحث إن الجبهة القومية، ثم النظام الذي ورثها وتطور لاحقًا إلى الحزب الاشتراكي اليمني، يتحملان مسؤولية تاريخية كبيرة عن مرحلة التحول القسري التي بدأت في 1967م وما رافقها من سياسات مركزية قهرية وتأميم وصراع سياسي وتغيير عميق في البنية الاجتماعية والاقتصادية لبلاد حضرموت. أما القول بأنهما وحدهما مسؤولان عن كل مأساة حضرمية حتى يومنا هذا، فيحتاج إلى تمييز علمي بين المراحل اللاحقة؛ لأن التاريخ بعد 1990م دخل في ظروف سياسية ووطنية وإقليمية مختلفة، وتعددت القوى والفاعلون والأسباب.
لكن هذا التمييز لا يعني إسقاط المسؤولية التاريخية عن مرحلة التأسيس؛ فالأحداث المؤسسة تترك آثارًا طويلة الأمد. وما حدث في 1967م أسس لمسار سياسي فقدت فيه بلاد حضرموت جزءًا كبيرًا من قدرتها على إنتاج قرارها السياسي المستقل، وتحولت من مجال تاريخي ذي خصوصية سياسية إلى وحدة إدارية داخل دولة مركزية. ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم لماذا ظل سؤال الهوية الحضرمية والقرار الحضرمي حاضرًا في الوعي العام رغم تغير الأنظمة والعقود.
لقد قاومت الذاكرة الحضرمية محاولات الاختزال؛ لأن حضرموت لم تكن مجرد مساحة جغرافية تضاف إلى خريطة دولة، بل كانت حضارة عريقة ومجتمعًا وشبكة مدن وأودية وموانئ، ومنظومة علم وتجـارة وهجرة وثقافة وتاريخ عظيم، امتدت آثارها إلى الهند وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وشرق أفريقيا والجزيرة العربية ودول الخليج العربي. وقد وثقت الدراسات المتخصصة عمق هذه الشبكة الحضرمية العابرة للحدود، وأكدت أن الشتات الحضرمي كان عنصرًا أساسيًا في تشكيل الهوية والاقتصاد والثقافة الحضرمية. ومن ثم فإن استمرار الهوية الحضرمية بعد 1967م لا ينبغي تفسيره بوصفه مجرد حنين إلى ماضٍ سياسي، بل بوصفه استمرارًا لبنية اجتماعية وثقافية عميقة استطاعت أن تتكيف مع التحولات السياسية دون أن تفقد جذورها.
ولهذا فإن (القضية الحضرمية) في معناها التاريخي والثقافي لا ينبغي أن تختزل في حزب أو جماعة أو سلطة أو شخص، بل هي سؤال مجتمع عن علاقته بأرضه وتاريخه وموارده ومؤسساته ومستقبله. إنها، قبل كل شيء، سؤال عن قدرة مجتمع تاريخي عريق على أن يكون فاعلًا في صناعة مستقبله بدل أن يكون مجرد موضوع في مشاريع الآخرين.
ومن منظور الجيوبوليتيك، تكتسب حضرموت أهمية لا تسمح بالتعامل معها كإقليم هامشي؛ فهي تمتلك موقعًا جغرافيًا واسعًا، وساحلًا طويلًا على بحر العرب، وموارد طبيعية متعددة وهائلة، وموانئ، ومجالًا حضاريًا متصلًا بعمق الجزيرة العربية والمحيط الهندي. ولذلك فإن أي ترتيبات سياسية تخص مستقبلها لا يمكن أن تنجح على المدى الطويل إذا تجاهلت خصوصيتها التاريخية والاجتماعية ومصالح سكانها.
إن استعادة الذاكرة ليست دعوة إلى الانتقام من الماضي، ولا محاولة لإحياء صراعاته، وإنما هي شرط من شروط المصالحة التاريخية. فالشعوب التي لا تراجع ماضيها بصدق تظل أسيرة له، أما الشعوب التي تفتح ملفات تاريخها بعقل الباحث لا بعاطفة المنتقم، فإنها تستطيع تحويل الذاكرة من جرح إلى معرفة، ومن المعرفة إلى وعي، ومن الوعي إلى مشروع مستقبل.
ومن هنا، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا تُمحى ذاكرة السلطنتين القعيطية والكثيرية، وألا يُختزل سقوطهما في رواية سياسية واحدة، كما يقتضي في الوقت ذاته ألا تتحول دراسة تلك المرحلة إلى حنين غير نقدي للماضي. فالمعيار الحقيقي هو قدرة الباحث على رؤية التاريخ بكل تعقيداته: ما كان منجزًا، وما كان قصورًا، وما كان تحولًا طبيعيًا، وما كان قسرًا، وما كانت نتائجه الإيجابية أو السلبية.
وفي قلب هذا كله يقف الشعب الحضرمي؛ ذلك الشعب الذي لم يفقد هويته رغم تبدل الدول والأنظمة والحدود السياسية. فقد حافظ الحضارم في الداخل والمهجر على لغتهم الثقافية، وذاكرتهم الاجتماعية، وروابطهم الأسرية، وشبكاتهم التجارية، ومؤسساتهم العلمية والدينية، واستمروا في إنتاج العلماء والمفكرين والأكاديميين والأطباء والمهندسين والتجار والمثقفين …إلخ، حتى أصبح الشتات الحضرمي ذاته أحد أبرز الشواهد على قوة هذه الهوية واستمرارها.
ومن حق أي شعب ذي تاريخ وهوية وخصوصية أن يطرح بصورة سلمية وعقلانية سؤال مستقبله السياسي، وأن يناقش مختلف الصيغ الممكنة لإدارة أرضه وثرواته ومؤسساته، بما في ذلك فكرة الدولة إذا أصبحت خيارًا يطرحه المجتمع الحضرمي بصورة واعية وسلمية ومنظمة. وليس المقصود هنا إصدار حكم مسبق على شكل المستقبل، وإنما تأكيد مبدأ أساسي في الفكر السياسي الحديث: أن مستقبل الأوطان لا ينبغي أن يُغلق بقرار تاريخي مفروض إلى الأبد، وأن للشعوب حقًا مشروعًا في مناقشة مستقبلها السياسي عبر الوسائل السلمية والمؤسساتية، وبما يراعي القانون الدولي ومصالح السكان والعلاقات الإقليمية.
ومن هذه الزاوية، فإن تطلع الحضارم إلى أن يكون لهم كيان سياسي يعبر عن خصوصيتهم التاريخية، أو دولة حضرمية إذا اختار المجتمع ذلك عبر مسار سلمي وتوافقي، ليس سؤالًا ينبغي أن يُدفن في الماضي، وإنما موضوعًا يمكن أن يكون محل دراسة سياسية وقانونية وتاريخية واجتماعية جادة. فالدولة، في الفكر السياسي، ليست مجرد حدود مرسومة على الخريطة، وإنما عقد اجتماعي ومؤسسات وسيادة ومواطنة وقدرة على حماية المصالح العامة وتحقيق العدالة والتنمية.
وفي المحصلة، فإن 17 سبتمبر و2 أكتوبر 1967م يظلان من أكثر التواريخ حساسية في الذاكرة السياسية الحضرمية؛ لأنهما يرمزان إلى نهاية مرحلة من التاريخ السياسي المحلي وبداية مرحلة أخرى فرضت تحولات عميقة في السلطة والمجتمع والاقتصاد والهوية. ولا يمكن فهم حضرموت المعاصرة بصورة كاملة من دون فهم ذلك التحول، ولا يمكن بناء مستقبلها من دون قراءة ماضيها قراءة علمية شجاعة، بعيدة عن التقديس والتشويه معًا.
وحضرموت اليوم ليست مطالبة بأن تعيش أسيرة 1967م، بل مطالبة بأن تتعلم منه. فالأرض التي أنجبت مدارس العلم، وحملت رسائل الحضارة إلى الموانئ والحواضر البعيدة، وأرسلت علماءها وتجارها ومفكريها إلى أنحاء العالم، لا يجوز أن تُقرأ بوصفها مجرد هامش في تاريخ الآخرين. إن بلاد حضرموت صاحبة تاريخ، والشعب الحضرمي صاحب ذاكرة، والمجتمع الحضرمي صاحب حق أصيل في أن يناقش مستقبله بنفسه، وأن يحدد موقعه في الدولة والمجتمع والإقليم والعالم.
وهنا تتجاوز المسألة حدود 17 سبتمبر و2 أكتوبر من عام 1967م إلى سؤال حضاري أكبر: هل ستبقى حضرموت موضوعًا تتقرر بشأنه المشاريع من خارجها، أم تصبح ذاتًا فاعلة في صناعة مستقبلها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا يصنعها فرد، ولا حزب، ولا جماعة، ولا سلطة، وإنما يصنعها الوعي الحضرمي العام، والعلماء والمثقفون والنخب والمجتمع، وفي المقدمة منهم المواطن الحضرمي الذي يملك الحق في أن يرى وطنه كما يراه تاريخه، لا كما تفرضه عليه خرائط السياسة المتغيرة.
إن حق حضرموت في المستقبل لا يستمد مشروعيته من الحنين وحده، ولا من رد الفعل على مظالم الماضي، وإنما من تاريخها، وجغرافيتها، ومجتمعها، وثقافتها، وطاقاتها البشرية، وموقعها الاستراتيجي، ومن حق أهلها في أن يناقشوا مستقبلهم بحرية ووعي ومسؤولية. وإذا اختار الحضارم يومًا، عبر إرادة مجتمعية حرة وسلمية وتوافقية، أن يطرحوا مشروع الدولة الحضرمية، فإن ذلك سيكون سؤالًا سياسيًا وتاريخيًا وقانونيًا يستحق الدراسة الجادة، لا السخرية ولا الإلغاء ولا المصادرة المسبقة.
وهكذا، فإن أفضل قراءة لتاريخ 17 سبتمبر و2 أكتوبر 1967م ليست أن تبقى حضرموت أسيرة لحظة سقوط السلطنتين، وإنما أن تجعل من تلك الذاكرة مدخلًا إلى فهم أعمق لذاتها التاريخية ومسارها السياسي. فالتاريخ الذي تغيرت عبره أنظمة الحكم لا يمحو تاريخ المجتمع، والسلطة التي تبدلت لا تلغي هوية الأرض، والحدود السياسية التي رسمتها المراحل المختلفة لا تستطيع وحدها أن تختزل حضرموت في مجرد وحدة إدارية. لقد بقيت حضرموت، رغم التحولات، مجتمعًا ذا ذاكرة وهوية وامتداد حضاري عابر للحدود. ومن هنا فإن مستقبلها لا ينبغي أن يُحسم بالنيابة عن أهلها، ولا أن يُختزل في إرادة فرد أو حزب أو جماعة أو سلطة؛ وإنما ينبغي أن يكون موضوعًا للنقاش الحر والعلمي والمسؤول بين أبنائها، وأن تُترك صياغة الخيارات السياسية الممكنة لإرادة مجتمعية واعية وسلمية وتوافقية، تحكمها المعرفة والتاريخ والمصلحة العامة وسيادة القانون. فالأوطان لا تُبنى باستعادة الماضي، وإنما بفهمه؛ ولا تُصان بإغلاق المستقبل، وإنما بامتلاك القدرة على مناقشته وصناعته بوعي ومسؤولية.

إغلاق