الحلقة العاشرة ( 10 ) الأخيرة :خارطة طريق حضرموتإلى مشروع الحكم الذاتي المنشود(مقاربة علمية للمساهمة في تشكيل مستقبل حضرموتمن الرؤية إلى المشروع .. ومن المشروع إلى الإنجاز)
إعداد / د. احمد باصهي
ها نحن نصل بفضل الله وتوفيقه إلى ختام هذه الدراسة البحثية عن مستقبل الحكم الذاتي المنشود لحضرموت.
فالحمد لله على التمام والشكر لكم أيها القرّاء الكرام والمتابعون الأفاضل على صبركم وتفاعلكم وتشجيعكم والشكر موصول لموقع تاربة اليوم والقائمين عليه من إدارة التحرير والجهاز الإداري والفني فهذا الموقع الإخباري الحضرمي الريادي هو الشريك الأول لهذا النجاح .
فبعد تسع حلقات عشنا واياكم فيها حلما جميلا وهدفا ساميا طموحا يراود كل حضرمي و حضرمية في الوطن والمهجر بأن يرى حضرموت وقد اتصلت بقطار التنمية والتطوير في المنطقة والعالم .
لم يكن الهدف تقديم إجابة نهائية عن مستقبل حضرموت، وإنما محاولة فتح نافذة للتفكير الهادئ، والانتقال من ردود الأفعال إلى بناء رؤية تستند إلى المعرفة والمشاركة والعدالة والاستدامة.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأكبر:
كيف يمكن أن ننتقل من الحديث عن مستقبل حضرموت إلى المساهمة الفعلية في تشكيله؟
أولًا: المستقبل لا يُنتظر
المستقبل ليس شيئًا يأتي إلينا جاهزًا.
إنه نتيجة للقرارات التي نتخذها اليوم، وللمؤسسات التي نبنيها، وللأفكار التي نزرعها، وللأجيال التي نعدها.
ولهذا فإن انتظار الحلول من الآخرين لن يكون كافيًا.
كما أن الاكتفاء برفع الشعارات لن يصنع مستقبلًا مختلفًا.
المطلوب هو الانتقال من:
التشخيص إلى التخطيط، ومن التخطيط إلى العمل.
ثانيًا: المقاربة العلمية أساس البناء
المقاربة العلمية تعني أن ننظر إلى الواقع كما هو، لا كما نريد أن يكون.
أن نعترف بنقاط القوة والضعف.
أن ندرس الموارد والإمكانات.
أن نحلل المشكلات وأسبابها.
أن نقارن التجارب.
أن نستفيد من البيانات والإحصاءات.
وأن نضع البدائل ثم نناقش نتائج كل بديل قبل اتخاذ القرار.
فالقضايا الكبرى لا تُدار بالعاطفة وحدها، مهما كانت العاطفة صادقة.
ثالثًا: بناء رؤية حضرمية مشتركة
تحتاج حضرموت إلى رؤية واضحة للمستقبل، لا تقتصر على الجانب السياسي وحده.
بل تشمل:
الحكم والإدارة، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والأمن، والثقافة، والبيئة، والبنية التحتية، والعلاقات مع المحيط، ودور المهجر.
وينبغي أن تكون هذه الرؤية نتاج حوار واسع يشارك فيه أبناء حضرموت بمختلف مناطقهم وشرائحهم وتخصصاتهم.
رابعًا: الحكم الذاتي خيار يحتاج إلى مشروع
إذا كان الحكم الذاتي هو الخيار الذي يرى قطاع من أبناء حضرموت أنه يحقق تطلعاتهم، فإن الخطوة الأهم ليست فقط إعلان الرغبة فيه، وإنما تقديم تصور واضح لكيفية عمله.
يجب أن نعرف:
ما شكل المؤسسات؟
كيف تُنتخب؟
ما صلاحياتها؟
كيف تدار الموارد؟
كيف توزع الإيرادات؟
ما علاقة الإقليم بالمركز؟
كيف تحمى الحقوق؟
كيف تمنع المركزية داخل حضرموت؟
وكيف تضمن المشاركة والعدالة؟
كلما كانت الإجابات أكثر وضوحًا، أصبح النقاش أكثر جدية.
خامسًا: المشاركة أساس الشرعية
لا يمكن بناء مستقبل مستقر من دون مشاركة المجتمع.
ولهذا ينبغي أن يكون الحوار مفتوحًا أمام مختلف الأصوات.
لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة.
ولا أحد يستطيع بمفرده أن يمثل كل حضرموت.
والاختلاف ليس ضعفًا، بل يمكن أن يكون مصدرًا للقوة إذا أُدير بالحوار والمؤسسات.
فالشرعية الحقيقية تُبنى من رضا المجتمع ومشاركته وثقته بالمؤسسات.
سادسًا: العدالة ليست شعارًا
إذا كانت هناك رغبة في بناء مستقبل جديد، فلا بد أن تكون العدالة في قلب هذا المشروع.
العدالة في توزيع الموارد.
العدالة في الخدمات.
العدالة في فرص العمل.
العدالة في التمثيل.
العدالة بين المناطق.
والعدالة بين الأجيال.
لكن العدالة لا تعني إلغاء الكفاءة.
بل المطلوب هو بناء مؤسسات تجمع بين:
التمثيل العادل والكفاءة والنزاهة والمساءلة.
سابعًا: الثروة وسيلة وليست غاية
حضرموت تمتلك موارد وإمكانات اقتصادية مهمة.
لكن القيمة الحقيقية للثروة تظهر عندما تتحول إلى:
مدارس، وجامعات، ومستشفيات، وطرق، ومياه، وكهرباء، ومشاريع إنتاجية، وفرص عمل، وبنية تحتية، واقتصاد متنوع.
ولهذا ينبغي ألا يكون السؤال:
كم نملك؟
فقط.
بل:
ماذا نفعل بما نملك؟
ثامنًا: بناء الإنسان قبل بناء المشاريع
قد يكون من السهل بناء طريق أو مبنى.
لكن بناء الإنسان يحتاج إلى سنوات.
ولهذا فإن التعليم والتدريب والبحث العلمي يجب أن يكون في قلب أي مشروع حضرمي للمستقبل.
فالمجتمع الذي يمتلك الكفاءات القادرة على التفكير والتخطيط والإدارة يستطيع أن يعيد بناء اقتصاده ومؤسساته.
أما المجتمع الذي يستهلك موارده دون أن يستثمر في الإنسان، فسوف يجد نفسه بعد سنوات أمام المشكلة نفسها.
تاسعًا: المؤسسات هي الضمانة
لا يكفي أن نختار أشخاصًا جيدين.
نحن بحاجة إلى مؤسسات تجعل الأداء الجيد ممكنًا، وتحاسب المسؤول عندما يخطئ، وتحمي المال العام، وتضمن انتقال السلطة بصورة سلمية.
ولهذا يجب أن يكون بناء المؤسسات هدفًا أساسيًا، وليس تفصيلًا ثانويًا.
المؤسسة القوية تحمي المجتمع من أخطاء الأفراد، وتمنح المستقبل قدرًا أكبر من الاستقرار.
عاشرًا: حضرموت والعالم
حضرموت ليست جزيرة معزولة.
إن موقعها الجغرافي، وتاريخها التجاري، وهجرتها، وعلاقات أبنائها في مختلف أنحاء العالم، كلها تجعلها قادرة على بناء علاقات اقتصادية وثقافية ومعرفية واسعة.
ولهذا فإن الانفتاح على العالم ينبغي أن يكون جزءًا من استراتيجية المستقبل.
لكن الانفتاح الناجح هو الذي يحافظ في الوقت نفسه على الخصوصية والقرار والمصلحة المحلية.
الخلاصة النهائية
إن مستقبل حضرموت لن يصنعه التاريخ وحده، ولن تصنعه الثروة وحدها، ولن تصنعه السياسة وحدها.
إنه يحتاج إلى رؤية تجمع الإنسان والثروة والمؤسسات والمجتمع والتاريخ والمستقبل.
ومن هنا جاءت الفكرة الأساسية لهذه السلسلة:
«مقاربة علمية للمساهمة في تشكيل مستقبل حضرموت، على أسس المشاركة والعدالة والاستدامة، في ظل الحكم الذاتي المنشود.»
والمقصود بـ«المقاربة» أنها ليست ادعاء امتلاك الحقيقة النهائية، وإنما محاولة للمساهمة في بناء نقاش علمي مفتوح، يمكن تطويره وتصحيحه وإثراؤه بمشاركة المختصين وأبناء حضرموت جميعًا.
فحضرموت ليست مشروع فرد، ولا مشروع نخبة، ولا مشروع منطقة.
حضرموت مشروع مجتمع.
وإذا كان لنا أن نختصر الرسالة الأخيرة لهذه السلسلة في كلمات قليلة، فهي:
المعرفة قبل القرار،
والمشاركة قبل التمثيل،
والعدالة قبل المحاصصة،
والمؤسسات قبل الأشخاص،
والتنمية قبل الاستهلاك،
والمستقبل قبل المصالح الآنية.
كلمة أخيرة
قد تختلف الآراء حول الطريق، وقد تتباين التصورات حول شكل المستقبل، وهذا أمر طبيعي.
لكن ما ينبغي ألا نختلف عليه هو أن حضرموت تستحق أن يكون مستقبلها موضوعًا للنقاش العلمي، وأن يكون أبناؤها شركاء في صياغته، وأن تكون ثرواتها أداة لبناء الإنسان، وأن تقوم مؤسساتها على العدالة والكفاءة والشفافية.
فالمستقبل لا يُمنح لحضرموت؛ بل يساهم أبناؤها في تشكيله.
وهنا تنتهي الحلقات العشر، لكن يبدأ العمل الحقيقي: تحويل الأفكار إلى دراسة، والدراسة إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى واقع.






