حاضرة “كِندة” المعلّقة
تاربة ــ اليوم /كتابات واراء
كتب : عدنان بن عفيف
30أغسطس 2026
على قمة صخرة شاهقة تبدو وكأنها نبتت من قاع وادي “دوعن” في حضرموت، تقف مدينة “الهجرين” كواحدة من أغرب الشواهد الحية على عبقرية العمارة الطينية القديمة في شبه الجزيرة العربية.
هنا لا تتحدث الجغرافيا بل يتكلم التاريخ؛ فالمدينة التي تتربع على علو يناهز 950 متراً عن سطح البحر، ليست مجرد تجمع سكني قديم، بل هي متحف معلق يختزل أمجاد مملكة كِندة، ويواجه في آن واحد خطر الاندثار الصامت وسط غياب الرعاية الدولية وتصاعد التغيرات المناخية.
في لسان حِميَر والعرب العاربة القديمة، يشير لفظ “الهجر” إلى المدينة المسوّرة أو الحصن المنيع. واكتسبت الحاضرة صيغة التثنية “الهجرين” لكونها تشرف تاريخياً على بلدتين متقابلتين هما: “خيدون” و”دمون”. لكن الإعجاز الحقيقي في الهجرين يكمن في هندستها المعمارية؛ إذ تلتصق ناطحات السحاب الطينية، المكونة من عدة طوابق، بالحافة الصخرية الحادة في تلاحم بنيوي فريد.
بُنيت هذه المنازل بواسطة “المَدَر” (قوالب الطين المخلوط بالتبن والماء والمجفف بالشمس)، واستخدمت أخشاب السدر المحلية لسقف الغرف وصناعة النوافذ والأبواب المنحوتة بزخارف هندسية غاية في التعقيد.
وكما يقول أحد المختصّين عن أسرار هذا التماسك: “إن سر بقاء منازل الهجرين لقرون فوق حافة صخرية حادة يكمن في استخدام تقنية ‘التشريك’ البنيوي؛ حيث لا تُبنى البيوت ككتل منفصلة، بل يتم ربط أساساتها ببعضها البعض ودمجها بفتحات الصخور الطبيعية باستخدام جير ‘النورة’ المحلي. هذا التلاحم يحول المدينة بأكملها إلى كتلة خرسانية طينية واحدة مرنة، تمتص الهزات الأرضية وتوزع أحمال الرياح بكفاءة مذهلة”.
لا يمكن فصل الهجرين عن الذاكرة الأدبية والسياسية للعرب؛ فهي العاصمة الروحية والموطن الأول لقبائل كِندة القحطانية التي أسست أقوى الممالك التنافسية في العصر الجاهلي.
وفي بلدة “دمون” المحاذية، عاش الشاعر الجاهلي امرؤ القيس بن حجر الكندي فصولاً من حياته وصراعاته. وعلى أطلال حصن “صيلع” الجاثم فوق المدينة، تذكر الروايات التاريخية المتواترة أنه تلقى نبأ مقتل والده الملك، حيث تنحنح وأطلق صرخته التي حفظها ديوان العرب: “ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً، لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليوم خمر وغداً أمر”.
ومن هذه المرتفعات انطلقت شرارة تغريبته الشهيرة نحو بلاد الروم بحثاً عن ثأر لم يكتمل، تاركاً خلفه أشعاراً خلدت تضاريس الوادي في معلقته الشهيرة حيث قال:
صاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيْضَهُ … كَلَمْعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّلِ
يَبِيْتُ يُجَافِي المَاءَ عن صَفَحَاتِهِ … كَمَا شَامَ فِى صَيْلَعٍ لَمْ يَتَلَلَّلِ
ظلت الهجرين على مدى ألف عام محط أنظار الجغرافيين والرحالة الذين جابوا الجزيرة العربية، حيث أفردوا لها صفحات خاصة في أمهات الكتب، تحدث عنها أبو محمد الحسن الهمداني في كتابه “صِفَة جزيرة العرب”، ووصفها بدقة بالغة قائلاً: “الهجران قريتان متقابلتان في رأس جبل حصين يُطلع إليه في مَنَعَ”، كذلك وثقهاياقوت الحموي في “معجم البلدان” كبوابة تجارية حيوية على طريق البخور القديم، مستعرضاً دورها في ربط سواحل بحر العرب بداخل شبه الجزيرة.
على مسافة قصيرة من الهجرين، تقف مستوطنة “ريبون” الأثرية بشواهدها ونقوشها المكتوبة بـ “خط المسند”، والتي تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد.
تُظهر الدراسات التحليلية للنقوش المكتشفة في معبد الإله “سين” (إله القمر القديم) أن المنطقة لم تكن مجرد تجمع سكني، بل مركزاً دينياً واقتصادياً متطوراً جداً. وتكشف النقوش عن “قوانين مقدسة” لتنظيم مياه السيول، حيث عُثر على ألفاظ بالمسند مثل (ش ر ع) و (س ق ي) تؤرخ لأول نظام قضائي مائي في جنوب الجزيرة، يلزم القبائل بتوزيع عادل للمياه لحماية زراعة النخيل واللبان، مما يثبت أن الهجرين كانت امتداداً لإدارة زراعية شديدة التعقيد.
لا يمكن فصل الهوية التاريخية للهجرين عن محيطها البيئي في وادي دوعن، الذي يعد الموطن الأصلي لأنقى وأغلى أنواع العسل في العالم: “عسل السدر الدوعني”. تمثل تجارة العسل والزراعة العصب الاقتصادي النابض لسكان المدينة منذ العصور القديمة؛ حيث تنتشر في بطون الأودية المحيطة بها أشجار السدر المعمرة. يمارس النحالون في الهجرين المهنة بطرق تقليدية متوارثة تمنع دخول أي مؤثرات كيميائية، مما يمنح العسل الدوعني جودته العلاجية الفائقة ونكهته الفريدة التي جعلت سعره يتجاوز مئات الدولارات للكيلوغرام الواحد في الأسواق العالمية، ليتحول هذا “الذهب السائل” إلى سفير ثقافي واقتصادي للمنطقة.
لكن هذا الرواج الاقتصادي التقليدي يقف اليوم عاجزاً أمام التهديدات الهيكلية الحادة؛ فالقيمة التاريخية الاستثنائية التي تؤهل الهجرين لتكون على رأس قائمة التراث العالمي لمنظمة “اليونسكو” تصطدم بواقع مغاير تماماً. فالتغيرات المناخية الأخيرة، متمثلة في الأمطار الغزيرة غير المعتادة والسيول الجارفة، باتت تتسبب في تصدع وتآكل العديد من الواجهات الطينية للمنازل المهجورة. وفي ظل شح الإمكانيات الاقتصادية وغياب برامج الترميم المتخصصة، يواجه هذا الإرث الإنساني خطراً داهماً قد يحيل ناطحات السحاب الطينية إلى ركام، مما يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لإنقاذ بوابة الجزيرة المعلقة قبل أن يطويها النسيان.
نقلآ عن “إندبندنت عربية”






