عدن في وجه العاصفة.. يوميات مدينة لا تعرف الاستسلام –
تاربة اليوم
2026-08-27 04:31:00
عدن في وجه العاصفة.. يوميات مدينة لا تعرف الاستسلام
الاربعاء 26 اغسطس 2026 – الساعة:19:31:41
( / خاص)
كيف تحولت الأزمات إلى جزء من يوميات عدن؟
لماذا يدفع المواطن ثمن أزمات لا يملك قرارها؟
إلى متى تبقى الحلول المؤقتة عنواناً لخدمات عدن؟
هل آن أوان الانتقال من الحلول الإسعافية إلى التعافي؟
عدن.. مدينة تتعب ولا تستسلم
في العاصمة عدن، لا يبدأ النهار دائماً مع شروق الشمس، ولا ينتهي الليل حين يهدأ الشارع. مدينة اعتادت أن تستيقظ على أصوات المولدات الكهربائية، وتنام على وقع الأزمات، وتواصل يومها رغم انقطاع الكهرباء، وارتفاع الأسعار، وشح بعض الخدمات، وتحديات المواصلات.
هنا لا تبدو الأزمة حدثاً عابراً، بل تفاصيل صغيرة تتسلل إلى حياة الناس كل يوم. طابور أمام محطة وقود، مواطن يبحث عن أسطوانة غاز، أسرة تحاول تجاوز ساعات انقطاع الكهرباء، وسائق يحسب كلفة رحلته قبل أن يبدأها. ومع ذلك تواصل عدن حياتها.
مدينة تستيقظ قبل الشمس
في الساعات الأولى من الصباح تبدأ حركة المدينة مبكراً. عمال وموظفون وباعة وسائقون يخرجون إلى الشوارع، فيما تحاول الأسر ترتيب يومها وفق إيقاع الخدمات المتاحة.
في أحياء كثيرة تصبح الكهرباء جزءاً من جدول الحياة اليومية (متى لصت؟.. متى طفت؟) أسئلة تبدو بسيطة لكنها بالنسبة للأسر تعني الكثير. فالكهرباء ليست مجرد إنارة، بل مياه تُضخ، وأجهزة منزلية تعمل، وطعام يُحفظ، وطفل يدرس، ومريض يحتاج إلى بيئة مناسبة، ومتجر يحاول الاستمرار في العمل.
ولهذا، فإن انقطاعها لا يتوقف أثره عند حدود الظلام، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة كلها.
حين يتحول الغاز إلى أزمة مدينة
في عدن، يمكن لأزمة الغاز أن تتحول خلال وقت قصير إلى أزمة مواصلات. فالاعتماد على الغاز في تشغيل عدد من المركبات يجعل أي اضطراب في الإمدادات ينعكس على حركة النقل.
ومع نقص الكميات أو ازدحام نقاط التوزيع، تبدأ الطوابير، ويضطر السائقون إلى الانتظار لساعات، بينما يواجه المواطن صعوبة في العثور على وسيلة نقل أو يضطر إلى دفع أجرة أعلى.
وبذلك، لا يعود المواطن متابعاً لأزمة الغاز من بعيد، بل يصبح جزءاً من تداعياتها اليومية (السائق ينتظر دوره، الراكب ينتظر الحافلة، والأسرة تحاول تدبير مصروف إضافي لم يكن في حساباتها).
المدينة التي تتعايش مع الانقطاع
ربما تكون أكثر مظاهر التكيف وضوحاً في عدن هي قدرة الناس على صناعة البدائل (بطاريات، ألواح شمسية، مولدات صغيرة، مصابيح قابلة للشحن، وأجهزة تخزين الطاقة)، كلها تحولت إلى جزء من الحياة اليومية لكثير من الأسر.
لكن هذه البدائل ليست مجانية فكلما تراجعت الخدمة العامة، ارتفعت تكلفة البديل الخاص، وأصبح المواطن مطالباً بدفع المزيد للحصول على الحد الأدنى من الخدمة.
وهنا تتشكل مفارقة قاسية: الأسرة لا تدفع فقط فاتورة الخدمة، بل تدفع أيضاً تكلفة غيابها.
الأسواق تحت الضغط
ولا تقف الأزمات عند الخدمات الأساسية. فارتفاع كلفة النقل والطاقة ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أسعار السلع والخدمات. التاجر يدفع أكثر لنقل البضائع، وصاحب المحل يتحمل تكاليف تشغيل إضافية، والسائق يواجه ارتفاعاً في كلفة الوقود. وفي النهاية تنتقل نسبة من هذه الأعباء إلى المستهلك.
ومع تراجع القدرة الشرائية، يصبح السوق مساحة يومية للمفاوضة والحساب (كم سعر هذا المنتج؟ هل يمكن تأجيل شرائه؟ هل يكفي الراتب حتى نهاية الشهر؟).
المواطن.. الحلقة الأضعف
وسط هذه الدائرة المتشابكة يبقى المواطن الحلقة الأكثر تأثراً. فهو لا يملك التحكم في إنتاج الكهرباء، ولا استيراد الوقود، ولا إدارة شبكة التوزيع، ولا تحديد أسعار السوق. لكنه يتحمل النتيجة النهائية لكل اختلال.
عدن.. لا تتوقف
ورغم كل ذلك لا تتوقف عدن. المطاعم تفتح أبوابها، الأسواق تستقبل زبائنها، الصيادون يخرجون إلى البحر، العمال يتوجهون إلى أعمالهم، والطلاب يذهبون إلى مدارسهم وجامعاتهم.
في الصباح تتحرك المدينة، وفي المساء تزدحم شوارعها، وفي الليل تبقى بعض الأحياء مضاءة بمصادر بديلة، بينما تستمر المولدات الكهربائية في العمل حيث تتوفر القدرة على تشغيلها.
لماذا تتكرر الأزمات؟
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: كيف يتعامل الناس مع الأزمة؟ بل: لماذا تتكرر الأزمة أصلاً؟
تتكرر الأزمات في العاصمة عدن نتيجة لتداخل عوامل عديدة: من ضعف البنية التحتية، ومحدودية الموارد، وأعباء التمويل والتشغيل، إلى صعوبات الإمدادات، والظروف الاقتصادية العامة، إضافة إلى تحديات الإدارة والتنسيق والرقابة.
وفي بعض الملفات، قد تنجح الحلول الإسعافية في تخفيف الضغط مؤقتاً، لكنها لا تمنع عودة المشكلة ما لم تتم معالجة جذورها.
من مدينة الأزمات إلى مدينة التعافي
عدن لا تحتاج فقط إلى مزيد من الحلول المؤقتة. المدينة بحاجة إلى رؤية متكاملة للخدمات، تتعامل مع الكهرباء والوقود والغاز والمياه والنقل، باعتبارها منظومة مترابطة تؤثر كل واحدة منها في الأخرى.
كما تحتاج إلى استثمارات حقيقية في البنية التحتية، وتحديث شبكات الكهرباء، وتنويع مصادر الطاقة، وتحسين إدارة الإمدادات، وتعزيز الرقابة والشفافية، ووضع خطط طوارئ واضحة قبل وصول الأزمات إلى ذروتها.
والأهم من ذلك، أن يشعر المواطن بأن صوته حاضر في عملية صنع القرار، وأن معاناته اليومية ليست مجرد أرقام في تقارير رسمية.
مدينة تتعب.. لكنها لا تستسلم
عدن اليوم ليست مجرد عنوان للأزمات، بل مدينة تختبر قدرتها على الصمود كل يوم.
فخلف كل طابور أمام محطة غاز هناك سائق يحاول تأمين قوت أسرته. وخلف كل ساعة انقطاع للكهرباء هناك أسرة تحاول تدبير ليلها وخلف كل ارتفاع في الأسعار هناك رب أسرة يعيد حساباته.







