إعادة تعريف دور القبيلة: رؤية لبناء التكامل بين المجتمع والدولة
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : انس علي باحنان
29 يونيو 2026
تُعد القبيلة من أقدم البنى الاجتماعية التي عرفتها المجتمعات العربية، وقد تعامل الإسلام معها بمنهج متوازن لم يقم على إلغائها أو محاربتها، وإنما عمل على تهذيبها وتقويم دورها بما ينسجم مع مقاصد الشريعة وقيم العدل والإحسان. فالقبيلة في التصور الإسلامي ليست أداة للتعصب أو الاستعلاء، وإنما هي إطار اجتماعي يقوم على التعارف والتعاون والتكافل، قال تعالى: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، فجعل الله الغاية من اختلاف الأنساب التعارف والتكامل لا التفاخر والتنابز.
لقد أرسى الإسلام مفهومًا راقيًا للانتماء القبلي، فجعل رابطة الدين والعدل فوق كل رابطة، وحوّل القبيلة من كيان يقوم على العصبية والنصرة العمياء إلى جماعة اجتماعية يكون دورها نصرة الحق، وإغاثة المظلوم، وحفظ الأمن، والتعاون على الخير. فالقبيلة في ميزان الإسلام لا تكون فوق أحكام الشريعة، ولا تكون بديلاً عن القضاء والنظام، ولا غطاء للظلم أو حماية للمعتدي، وإنما تكون عاملًا مساعدًا في إقامة العدل وحفظ الحقوق.
غير أن الواقع المعاصر، خصوصًا في اليمن وحضرموت، يكشف عن تحول بعض الممارسات القبلية عن هذا المسار الأصيل، حيث ظهرت صور من العمل القبلي أصبحت في بعض الأحيان سببا في تعطيل مفهوم الدولة وإضعاف سلطة القانون وتطبيق احكام الشريعة. فبدل أن تكون القبيلة سندا للعدل وحماية الضعيف، تحولت بعض الأعراف إلى وسائل قد تستخدم لإسقاط أحكام الشريعة أو الالتفاف عليها، من خلال فرض حلول قبلية تتعارض مع الأحكام الشرعية أو تمنح المعتدي مخرجا لا يستحقه.
ومن أخطر مظاهر الخلل أن بعض الأعراف القبلية أصبحت تتقدم على القضاء والنظام، بحيث تحل القضايا خارج إطار مؤسسات الدولة، وتفرض الأحكام بمنطق القوة والنفوذ بدلًا من الاحتكام إلى العدالة. وهذا لا يؤدي فقط إلى إضعاف الدولة، بل يفتح الباب أمام الفوضى وتعدد مراكز القرار، ويجعل حقوق الناس مرتبطة بمكانتهم الاجتماعية وقوة قبائلهم بدلًا من ارتباطها بالقانون والشرع.
إن الأزمة ليست في وجود القبيلة، فالقبيلة جزء من النسيج الاجتماعي اليمني والحضرمي ، وإنما الأزمة في انحراف دورها عن وظيفتها الطبيعية. فالقبيلة التي عرفها المجتمع العربي الأصيل كانت عنوانا للنخوة والنجدة وحماية المستجير وإغاثة الملهوف، ولم تكن وسيلة لتعطيل العدالة أو تكريس الظلم. أما حين تصبح الأعراف القبلية فوق الشريعة وفوق النظام، فإنها تتحول من عامل استقرار إلى عامل اضطراب.
كما أن بعض التجارب الأخيرة في اليمن وحضرموت أظهرت كيف يمكن أن تستغل البنية القبلية في صراعات سياسية وأمنية تتجاوز مصالح المجتمع نفسه. فحين تدخل القبيلة في صراعات النفوذ وتصبح أداة بيد القوى المختلفة، تفقد جزءًا من استقلالها ودورها الاجتماعي، وتتحول من مؤسسة اجتماعية ذات قيم إلى وسيلة من وسائل الصراع.
إن المرحلة القادمة تحتاج إلى إعادة تعريف دور القبيلة لا إلغاء وجودها. فالقبيلة يمكن أن تكون شريكا حقيقيا في بناء الدولة إذا عادت إلى قيمها الأصيلة، وإذا أدركت أن قوتها الحقيقية ليست في فرض الأعراف المخالفة للشرع أو القانون، وإنما في نصرة المظلوم، وإقامة العدل، وحماية الحقوق، والمساهمة في استقرار المجتمع.
إن القبيلة التي ينشدها الإسلام هي القبيلة التي تقف مع الحق لا مع القريب لمجرد القرابة، والتي تحتكم إلى الشرع لا إلى الهوى، والتي تكون حامية للنظام لا منافسة له. فالقبيلة الواعية يجب أن تكون أول من يدافع عن تطبيق أحكام الشريعة، وأول من يحترم القضاء، وأول من يسعى إلى منع الظلم وإطفاء الفتن.
إن عودة القبيلة إلى دورها الحقيقي تعني نزع كل العادات المذمومة التي تناقض الدين والقيم، وتعزيز العادات الأصيلة التي تحفظ الكرامة وتصون الحقوق. وعندما تصبح القبيلة عامل بناء لا عامل تعطيل، فإنها ستكون ركيزة من ركائز استقرار المجتمع، وسندًا للدولة، وطريقًا لتحقيق الأمن والعدل والرخاء.
فالقبيلة ليست خصما للدولة، كما أن الدولة ليست عدوا للقبيلة؛ بل التكامل بينهما هو الطريق الصحيح. دولة عادلة تستند إلى القانون، وقبيلة رشيدة تدعم الحق وتحمي المجتمع، هو النموذج الذي تحتاجه اليمن وحضرموت للخروج من أزمات الصراع والفوضى نحو مرحلة من الاستقرار والبناء.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






