اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

المعلم… الضحية المنسية في وطن يبدد أولوياته

المعلم… الضحية المنسية في وطن يبدد أولوياته

بقلم / أ . غازي مرعي بن علي جابر
السبت 27 يونيو 2026

لم يعد المعلم في وادي حضرموت، ولا في الوطن عموماً، يشكو فقط من ضعف راتبه، بل أصبح يخوض معركة يومية من أجل البقاء. فبينما تقفز أسعار المواد الغذائية والوقود والغاز والإيجارات بصورة جنونية، يظل راتب المعلم ثابتاً، فاقداً لقيمته الشرائية، عاجزاً عن توفير أبسط متطلبات الحياة الكريمة. لقد تحول الراتب إلى رقم على ورقة، بينما الواقع يفرض على المعلم حياة من العوز والحرمان.
وفي الوقت الذي كان يُفترض أن يكون التعليم أولوية وطنية، اتجهت بوصلة السلطة إلى مسار آخر؛ فالموازنات والاهتمام والقرارات تتدفق نحو التشكيلات العسكرية والأمنية، بينما تُترك المدارس تتآكل، ويُترك المعلم يواجه مصيره وحيداً. وكأن بناء الإنسان لم يعد مشروعاً للدولة، بل أصبح عبئاً يمكن تجاهله.
إن أي سلطة تمنح السلاح الأولوية على القلم، وتهتم بتوسيع التشكيلات العسكرية أكثر من اهتمامها ببناء المدارس وتحسين أوضاع المعلمين، إنما ترسم مستقبلاً يسوده الجهل والفقر والتخلف. فالأمم لا تُبنى بالبندقية وحدها، وإنما تُبنى أولاً بالعلم والمعرفة.
وما يزيد المشهد مرارة هو الغياب شبه الكامل لأي رؤية جادة لإنقاذ التعليم. فلا توجد حلول حقيقية، ولا برامج إصلاح، ولا إرادة سياسية تعيد للمعلم اعتباره أو للمدرسة مكانتها. بل إن حالة الإهمال أصبحت سياسة واقعية يدفع ثمنها ملايين الطلاب وأسرهم، وسيظل المجتمع بأسره يتحمل نتائجها لسنوات طويلة.
وللأسف، فإن المعلم لم يخذله المسؤولون وحدهم، بل خذله أيضاً من يفترض أنهم يمثلون صوته. فقد أظهرت لجنتا المعلمين الأساسيين والمتعاقدين بوادي حضرموت ضعفاً واضحاً في الأداء، وتخبطاً في الإدارة والقيادة، وعجزاً عن توحيد الصفوف أو رسم استراتيجية واضحة للدفاع عن حقوق المعلمين. فتعدد المبادرات، وتضارب المواقف، وغياب التنسيق، كلها عوامل أضعفت الحراك، ومنحت الجهات الرسمية فرصة أكبر للمماطلة والتسويف.
إن المرحلة الحالية تتطلب قيادة نقابية واعية، تمتلك رؤية واضحة، وتضع مصلحة جميع المعلمين فوق أي اعتبارات شخصية أو مناطقية أو فئوية. فحقوق المعلمين لا تُنتزع بالعشوائية، ولا تُدار بردود الأفعال، وإنما بالوحدة والتنظيم والعمل المؤسسي.
إن إنقاذ التعليم يبدأ بإنصاف المعلم. فالمعلم الذي لا يستطيع توفير قوت أسرته لن يستطيع أن يصنع جيلاً قادراً على بناء وطنه. وإذا استمرت السلطة في تجاهل التعليم، واستمرت القيادات المعنية بشؤون المعلمين في حالة الضعف والتخبط، فإن الخاسر الحقيقي لن يكون المعلم وحده، بل المجتمع بأكمله.
فلا مستقبل لوطن يُهان فيه المعلم، ولا نهضة لبلد يُهمَّش فيه التعليم، ولا أمل لأجيال تُترك رهينة الفقر والإهمال وسوء الإدارة.

إغلاق