حضرموت وعدن واقع مشترك
بقلم /جابر عبدالله الجريدي
الجمعة 19 يـونـيـو 2026
إن من ينظر في داخل المشهد اليمني الحالي ولعدة سنوات ماضية يجد أن حضرموت وعدن تشترك نفس المصير واللحظة، وحتى مناطق سيطرة المليشيات الحوثية لا تمر بما تمر به حضرموت وعدن من واقع مأساوي وحرب إقتصادية، يخفي هذا الأمر دلالات عميقة جداً من هذه الممارسات المقصوده من تلك الجهات ضد أبناء المنطقتين، حضرموت وعدن يمتلك أبناءها نصيباً من الفكر والإبداع والرقي، هم أكثر منطقتين في اليمن أبناءها أهل علم وثقافة ونظام، لذلك هذه الممارسات الممنهجة ضدهما تتعمد أن تخضع أبناء هذه المناطق لمربع نفوذ وهيمنة، وحتى تثبُت تلك اليد الباطشة فلابد عليها أن تدخل أبناء حضرموت وعدن في الفوضى والعبث حتى يشغلوهم عن الأمر الأساسي وهو بناء الأوطان وتحقيق الأمن والسلام، حتى أُدرجت ملفات الخدمات بشكل خاص في منطقتي (حضرموت وعدن) من ضمن إرشيف الملفات السياسية وضع بجانب ملف سياسي الف علامة إستفهام، حيث تتحول الكهرباء من خدمة وطنية وحق غير مشترط للمواطنين إلى أكثر الملفات إبتزازاً لأبناء الوطن.
في ٢٠٠ سنة الأخيرة من تاريخ المنطقتين شهدت تغيرات كثيرة خاصة على مستوى الإدارة والنظام، من حكم السلطنات إلى الإنتداب ثم الجمهورية والديمقراطية ونظام الحزب الواحد والمركزية الإدارية لم تشهد تلك المرحلة أفضل من فترة الإستعمار البريطاني، نحن لا نختلف انه إستعمار ولابد من الخلاص منه ولكن بريطانيا عندما إحتلت المنطقتين حاولت الإستثمار فيها ورغم أن فترة حكمها لم تكن هناك أي إكتشافات نفطية أو ثروات تنقيب وغيرها لكن في فترة وجود بريطانيا في حضرموت وعدن وعندما إستثمرت في المنطقتين جعلت من جيش البادية الحضرمي من أفضل الجيوش النظامية العربية، وجعلت من ميناء عدن من أفضل الموانئ في العالم وشهدت المنطقتين نهضة فريدة جداً إقتربت فيها شعوبها من إحساس الدولة والنظام والإقتصاد، وأصبح الحضرمي والعدني يتطلع إلى البناء والتقدم والتطور حتى أتت سنين القحط وحكم العساكر، فتحولت حضرموت وعدن إلى معسكرات دفاع عن المشروع الإشتراكي، وفي فترة بريطانيا شهدت حضرموت وعدن علاقات إستراتيجية، كانت عدن محمية بريطانية وحضرموت تحت حكم الإنتداب البريطاني فكانت علاقة ممتازة بين المنطقتين كانت من الممكن أن تتطور بعد خروج الإستعمار البريطاني لو لم تتجه سياسة النظام إلى خدمة المصالح الشرقية.
مابعد الوحدة اليمنية والنظام المركز الذي عاصمته صنعاء كانت سياسة ذلك النظام هي الهيمنة والإستحواذ وخدمة المصالح الأمريكية في البلاد، فاكتُشف النفط في حضرموت وليته لم يكتشف، فتم تقاسم تلك الثروة الوطنية مابين أمريكا ومصالح الأفراد المستحوذين على النظام، فاكتُشف النفط واختفى عن الأنظار وبقي أبناء المنطقة يسمعون ولا يرون، ومارس النظام المركزي أشد سياسة العنصرية إتجاه منطقة عدن فتحولت من أفضل الموانئ العالمية إلى أسوء القرى البشرية، ومن منطقة إقتصادية إلى منطقة منكوبة، وأصبحت منطقتي حضرموت وعدن من بعد خروج الإستعمار البريطاني تتقاسما مصيراً مشتركاً وواقعاً واحداً، تعصف بهما الأزمات، وأُدخلت الفوضى إلى أعماقها الهادئة سياسة متعمدة بإقتدار، وحتى الوحدة المجتمعية مابين الحضارم والعدنيين الذين كانت مابينهم أواصر من القرب والحب والمودة وفتحت عدن أبوابها لأبناء حضرموت فهاجروا الحضارم إلى عدن بأعداد هائلة جداً وكانت علاقة سياسية وإقتصادية وإجتماعية بين الحضارم والعدنيين لا تُقدر بثمن أبداً كان من الممكن أن تتجه إلى أفضل مستقبل قد يكون لأبناءها لو إستثمرت، ورغم هذا هناك من حاول أن يخلق العداء بين أبناء المنطقتين بشكل متعمد ويسلطهم على بعضهم “فرق تسد” حتى يتفرد هو بخيرات البلاد.
لا نريد إطالة الكلام لأنه بالأخير مقال وليس رسالة توضيحية أو دراسة إستراتيجية، حضرموت وعدن واقع مشترك والذي لابد أن يتحول إلى مستقبل مشترك بين المنطقتين، الذين يخافون أن نكون معاً هم أنفسهم الذين يعبثون بعلاقتنا وواقعنا ومصير ومستقبلنا، ميناء عدن لن يكتمل إلا بساحل حضرموت وهذا مافعلته بريطانيا، كما أيضاً لا ننسى أن من أكبر الجاليات في عدن هم أبناء حضرموت، علاقة تاريخية وواقع مشترك، ومستقبل لابد أن يُترجم بالإتفاق.






