الأستاذ خالد صالح محمد البطاطي: سيرة مُرَبٍّ صنع الأجيال ورسَّخ قيم التعليم في دوعن وحضرموت
تاربة ــ اليوم /كتابات واراء
بقلم: البروفيسور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ
16 يونيو 2026م
لقد عرفت المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها الطويل شخصيات تركت أثرها في البناء والتكوين أكثر مما تركته في الحجر والعمران، لأن بناء الإنسان يظل أعظم من بناء المؤسسات، وصناعة العقول أسمى من تشييد المباني. ومن بين هذه الشخصيات التربوية التي استحقت التقدير والاحترام في وادي دوعن وحضرموت عامة، يبرز اسم الأستاذ الفاضل والمربي القدير خالد بن صالح بن محمد البطاطي (أبو محمد) بوصفه واحدًا من أعلام التربية والتعليم الذين ارتبطت أسماؤهم برسالة العلم والتنشئة وبناء الأجيال.
ولد الأستاذ خالد صالح محمد البطاطي في مارس عام 1954م بمنطقة القزة (دَمُّون التاريخية) بمديرية دوعن في حضرموت، في بيئة عُرفت بالعلم والدين والقيم الاجتماعية الأصيلة، وهي البيئة التي أسهمت مبكرًا في تشكيل شخصيته العلمية والتربوية، وغرست فيه معاني الانضباط والمسؤولية والالتزام الأخلاقي.
بدأ رحلته التعليمية الأولى في الكُتَّاب وحلقات التعليم التقليدي بمسجد آل سالم بالقزة، وهو المسجد الذي أسسه أجداده، حيث تلقى مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم والعلوم الأولية، شأن كثير من أبناء حضرموت الذين تخرجوا من مدارس العلم التقليدي قبل انتشار التعليم النظامي الحديث.
ويمثل انتقاله من التعليم التقليدي إلى التعليم الحديث محطة مهمة في مسيرته؛ إذ التحق بالمرحلة الابتدائية في مدرسة النصر بمنطقة خريخر عام 1962–1963م، وهي المدرسة التي كانت تُعرف بمدرسة الشيخ سالم بن أحمد بن محفوظ، وهي حاليًا قائمة بهذا الاسم (مدارس بن محفوظ)، لتبدأ معها مرحلة جديدة في حياته من التكوين العلمي والمعرفي.
ولم تتوقف مسيرته عند التعليم الابتدائي، بل انتقل إلى مدينة غيل باوزير لمواصلة المرحلة الإعدادية، في تجربة مبكرة عكست إصراره على طلب العلم رغم ظروف تلك المرحلة وما كانت تتطلبه من انتقال وسفر ومشقة.
ثم واصل دراسته الثانوية في ثانوية المكلا الكبرى، إحدى أبرز المؤسسات التعليمية في حضرموت آنذاك، وكان ضمن دفعة 1974 – 1975م، وهي المرحلة التي أسهمت في صقل شخصيته الفكرية والثقافية وإعداده لتحمل مسؤوليات العمل العام.
ومع تخرجه من الثانوية العامة لم يتجه إلى البحث عن وظيفة اعتيادية، بل اختار طريق التربية والتعليم، وهو الطريق الذي يحتاج إلى الصبر والإخلاص والإيمان العميق برسالة بناء الإنسان.
التحق بالسلك التربوي والتعليمي عام 1975 – 1976م، وكانت بدايته المهنية في مدرسة صيف بمدينة صيف بدوعن، حيث بدأ رحلة امتدت قرابة خمسة وثلاثين عامًا من العطاء المتواصل في خدمة التعليم والمجتمع.
وقد مثَّلت تلك السنوات الأولى مرحلة تأسيسية مهمة؛ إذ اكتسب خلالها خبرة ميدانية واسعة في التعامل مع الطلاب والبيئات الاجتماعية المختلفة، وتعرف عن قرب إلى طبيعة التحديات التي تواجه العملية التعليمية في الريف الحضرمي.
وفي العام الدراسي 1976 – 1977م عاد إلى مدرسة النصر بخريخر (مدارس بن محفوظ حاليًا)، المدرسة التي كان يعرفها طالبًا ثم عاد إليها معلمًا، في مشهد يجسد استمرارية الرسالة التعليمية وانتقالها من جيل إلى جيل.
وشهدت تلك الفترة تحولات كبيرة في بنية التعليم نتيجة التغيرات السياسية والإدارية التي عرفها الجنوب اليمني آنذاك، إلا أن الأستاذ خالد البطاطي ظل متمسكًا برسالته المهنية، مؤمنًا بأن التعليم أكبر من التحولات العابرة وأعمق أثرًا من الصراعات المؤقتة.
وعندما احتاجت المدرسة إلى قيادة تربوية تتحمل المسؤولية، تم تكليفه بإدارتها لفترة من الزمن، فكان مثالًا للمدير الميداني القريب من المعلمين والطلاب، الحريص على الانضباط وحُسن الأداء وجودة المخرجات.
ولم يكن ينظر إلى الإدارة باعتبارها منصبًا أو امتيازًا، بل باعتبارها مسؤولية أخلاقية وتربوية، ولذلك ترك خلال تلك المرحلة أثرًا إيجابيًا في تطوير الأداء المدرسي وتنظيم العمل التربوي.
واستمر بعد ذلك في أداء واجبه التعليمي معلمًا للغة الإنجليزية وعدد من المواد الأخرى، وهو ما منحه خبرة تربوية شاملة تجمع بين الجانب الإداري والجانب التربوي التعليمي.
وتدرج في المسؤوليات التربوية حتى أصبح وكيلًا للمدرسة بصورة رسمية خلال منتصف الثمانينيات، حيث عمل مع عدد من القيادات التربوية البارزة وأسهم في تطوير البيئة التعليمية بالمنطقة.
وتُجمع شهادات زملائه وطلابه على أنه كان نموذجًا للمعلم المنضبط والوكيل الحكيم والإداري المتزن، الذي يجمع بين الحزم والإنصاف، وبين الانضباط والرحمة.
وقد أدرك مبكرًا أن نجاح المدرسة لا يعتمد على المبنى وحده، وإنما على نوعية العلاقة بين الإدارة والمعلم والطالب والأسرة، ولذلك عمل على ترسيخ ثقافة التعاون والشراكة داخل المجتمع المدرسي.
وفي منتصف التسعينيات انتقل إلى مرحلة جديدة من العطاء عندما أسهم في تأسيس مدرسة القزة (دَمُّون التاريخية)، وهي تجربة تعد من أبرز محطات حياته المهنية.
ولم يكن دوره مقتصرًا على الإدارة بعد افتتاح المدرسة، بل شارك في متابعة إجراءات الإنشاء والترخيص والتجهيز والتطوير، حتى أصبحت مؤسسة تعليمية قائمة بذاتها تخدم أبناء المنطقة.
وقد ارتبط اسم مدرسة القزة باسمه طوال سنوات طويلة، حيث تولى إدارتها منذ تأسيسها وحتى بلوغه سن التقاعد عام 2010 – 2011م.
وخلال هذه المرحلة أسهم في استقرار المدرسة وتوسيع خدماتها التعليمية وتعزيز مكانتها في المجتمع المحلي، حتى أصبحت إحدى المؤسسات التعليمية المعروفة في المنطقة.
ولم يقتصر عطاؤه على أداء الواجب الوظيفي أو إدارة المؤسسات التعليمية التي عمل فيها، بل امتد أثره إلى أجيال متعاقبة من الطلاب الذين تتلمذوا على يديه في مختلف مراحل خدمته التربوية. واليوم ينتشر عدد كبير من أولئك الطلاب في مواقع أكاديمية ومهنية وإدارية متنوعة داخل حضرموت وخارجها، فمنهم الأساتذة الجامعيون والمعلمون والتربويون والضباط والمهندسون والإداريون وأصحاب المهن المختلفة. ولا يزال كثير منهم يستحضرون ما غرسه في نفوسهم من قيم الانضباط واحترام العلم والجدية في العمل وحُسن الخُلق، الأمر الذي يجعل أثره التربوي ممتدًا عبر الأجيال، ويمنحه مكانة خاصة في ذاكرة التعليم بدوعن وحضرموت.
إن قراءة مسيرة الأستاذ خالد البطاطي تكشف أن نجاحه لم يكن نتيجة موقع إداري أو قرار وظيفي، وإنما ثمرة تراكم طويل من الخبرة والالتزام والانضباط والإخلاص للمهنة.
ولهذا اكتسب احترام المعلمين والطلاب وأولياء الأمور وإدارات التربية والتعليم في مديرية دوعن ومحافظة حضرموت، حتى أصبح مرجعًا تربويًا يستشار في كثير من القضايا التعليمية والإدارية.
ولعل أهم ما يميز رؤيته التربوية إيمانه العميق بأن التربية تسبق التعليم، وأن بناء الشخصية يسبق بناء المعرفة، وأن الاحترام المتبادل هو حجر الأساس لأي عملية تعليمية ناجحة.
ويؤكد دائمًا أن المعلم لا يستطيع أن يحقق رسالته إذا فقد مكانته وهيبته واحترامه، وأن العلاقة الناجحة بين المعلم وطلابه تقوم على التوازن بين القرب الإنساني والانضباط التربوي.
ومن خلال تجربته الطويلة يرى أن المعلم الناجح هو الذي يصنع لنفسه رصيدًا أخلاقيًا وتربويًا لدى المجتمع، بحيث يصبح قدوة قبل أن يكون ناقلًا للمعلومة.
كما يشدد على أهمية بناء شخصية المعلم علميًا وثقافيًا ورياضيًا واجتماعيًا، لأن المعلم في نظره مشروع قائد مجتمعي قبل أن يكون موظفًا في مؤسسة تعليمية.
ويؤمن بأن المدرسة ليست مسؤولة وحدها عن التربية، بل إن الأسرة والمسجد والمجتمع شركاء أساسيون في صناعة شخصية الطالب وتوجيه سلوكه.
ولعل من الشواهد العملية البارزة على نجاح رؤيته التربوية أن أثرها لم يقتصر على المدرسة وطلابها فحسب، بل انعكس بصورة واضحة داخل أسرته وأبنائه، حيث استطاع أن يقدم نموذجًا للأسرة المتعلمة المتمسكة بالقيم ومكارم الأخلاق وحُسن السلوك. فقد برز من أبنائه الأستاذ والمربي، والضابط، والصحفي، ورجل الدين والداعية إلى الخير وخدمة المجتمع، وغيرهم ممن حملوا رسالة العلم والعمل الصالح كلٌّ في مجاله. ويؤكد هذا النموذج أن التربية الحقيقية لا تُقاس بالكلمات والشعارات، وإنما بما تثمره من أجيال صالحة نافعة للمجتمع، وهو ما جسده الأستاذ خالد البطاطي في بيته كما جسده في مدرسته، فكانت أسرته امتدادًا طبيعيًا لرسالته التربوية والإنسانية.
ومن القضايا التي يؤكد عليها كذلك ضرورة مراعاة الظروف الاجتماعية والنفسية للطلاب، لأن نجاح العملية التعليمية يتطلب فهم البيئة المحيطة بالمتعلم والتعامل معها بحكمة ومسؤولية.
كما يولي أهمية كبيرة لدور المرشد الاجتماعي داخل المدرسة، ويرى أنه أحد الأعمدة الأساسية في معالجة المشكلات السلوكية والنفسية التي قد تؤثر في التحصيل الدراسي.
ولا يغفل أهمية التأهيل المستمر للمعلمين والمديرين، معتبرًا أن التطوير المهني ضرورة دائمة لمواكبة التحولات المعرفية والتربوية المتسارعة.
وعند حديثه عن الماضي التربوي في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، يستحضر نموذجًا تعليميًا اتسم بالجدية والانضباط والاحترام المتبادل بين الطالب والمعلم والأسرة والإدارة.
وهو يرى أن كثيرًا من التحديات المعاصرة لا ترتبط بالمناهج بقدر ارتباطها بتراجع بعض القيم التربوية التي كانت تشكل أساس العملية التعليمية في السابق.
ولهذا فإن تجربته تمثل مدرسة فكرية وتربوية متكاملة يمكن الاستفادة منها في تطوير التعليم المحلي وتعزيز مكانة المعلم وترسيخ ثقافة الاحترام والانضباط.
إن الأستاذ خالد بن صالح البطاطي ليس مجرد مدير مدرسة أو معلم قضى سنوات في الوظيفة العامة، بل هو نموذج للمربي الرسالي الذي جعل من التعليم مشروع حياة، ومن المدرسة فضاءً لبناء الإنسان، ومن الأخلاق أساسًا للنهضة المجتمعية.
ومن الإنصاف القول إن الأجيال التي تعلمت على يديه أو عملت معه أو استفادت من خبرته تحمل في ذاكرتها صورة المعلم الوقور، والإداري الحكيم، والإنسان المتواضع، والمرجع التربوي الذي جمع بين الخبرة والعلم والأخلاق.
ومن منظور تاريخ التعليم في حضرموت، تمثل تجربة الأستاذ خالد بن صالح البطاطي نموذجًا لجيل من التربويين الذين حملوا رسالة التعليم في ظروف مختلفة ومتباينة، وأسهموا في ترسيخ دعائم التعليم النظامي الحديث وربطه بالقيم الاجتماعية والثقافية الأصيلة للمجتمع الحضرمي. وتكتسب هذه التجربة أهميتها من كونها لا توثق مسيرة فرد فحسب، بل تعكس جانبًا من تاريخ الحركة التعليمية في دوعن وحضرموت خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، بما شهدته تلك المرحلة من تحولات وتحديات وإنجازات.
وفي ختام هذا المقال، نجد أنفسنا أمام تجربة تربوية حضرمية أصيلة تستحق الدراسة والتوثيق والاحتفاء، لأنها تمثل نموذجًا حيًا لقيمة المعلم في بناء المجتمع وصناعة المستقبل.
وإننا إذ نكتب عن أستاذنا الفاضل ومرجعنا التربوي الكبير الأستاذ خالد بن صالح بن محمد البطاطي (أبو محمد)، فإننا لا نوثق سيرة فرد فحسب، بل نوثق مرحلة كاملة من تاريخ التعليم في دوعن وحضرموت، ونستحضر نموذجًا مضيئًا من نماذج العطاء الوطني والتربوي الصادق.
ونسدي من خلال هذه التجربة جملة من التوصيات للأسر والمعلمين والإدارات التعليمية والطلاب، في مقدمتها إعادة الاعتبار لقيم الاحترام والانضباط، وتعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة، والاهتمام بالتأهيل المستمر للمعلمين، وترسيخ مكانة القدوة التربوية في المجتمع، لأن بناء الأوطان يبدأ من بناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ من المعلم.
رحم الله من رحل من رواد التربية والتعليم، وحفظ الله أستاذنا القدير خالد بن صالح بن محمد البطاطي، وأمده بموفور الصحة والعافية، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه من خدمة جليلة للتعليم والمجتمع، وجعل سيرته وتجربته مصدر إلهام للأجيال الحاضرة والقادمة.






