اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حين يصبح الفساد والفوضى سياسة مقصودة

حين يصبح الفساد والفوضى سياسة مقصودة

بقلم | خالد عمر باجبير

يخطئ من يعتقد أن الفساد والفوضى والانهيار الإداري في أي بلد يكونان دائمًا نتيجة ضعف الدولة أو فشلها في إدارة شؤون المجتمع. فالتاريخ السياسي يبين أن بعض القوى قد تستفيد من استمرار الأزمات، بل وقد تجد في الفوضى وسيلة فعالة للحفاظ على نفوذها وتحقيق مصالحها.

عندما يعيش المواطن في بيئة مستقرة، تتوفر فيها الخدمات الأساسية والأمن وفرص الحياة الكريمة، يصبح أكثر قدرة على التفكير في قضايا الإصلاح والتنمية والمحاسبة والحقوق العامة. أما عندما ينشغل يوميًا بأزمات الكهرباء والرواتب وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، فإن اهتمامه يتحول من التفكير في المستقبل إلى البحث عن وسائل البقاء والنجاة.

هنا تكمن خطورة الفوضى المستمرة. فالتأثير لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو الخدمي، بل يمتد إلى البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع. فالمجتمع المرهق بالأزمات المتكررة يصبح أقل قدرة على التنظيم، وأكثر عرضة للانقسام والتشتت.

ومع مرور الوقت، لا تؤدي الفوضى إلى تعطيل المؤسسات فقط، بل تؤدي أيضًا إلى إضعاف الوعي العام وتشويش الأولويات. فينشغل الناس بالخلافات اليومية والأزمات المتلاحقة، بينما تتراجع قدرتهم على فهم الأسباب الحقيقية لما يحدث حولهم.

وعندما تستمر الأزمات لسنوات طويلة دون حلول جذرية، يصبح من حق المجتمع أن يتساءل: هل ما يحدث مجرد أخطاء متكررة وسوء إدارة، أم أن هناك أطرافًا تستفيد من بقاء الوضع على ما هو عليه؟

إن المجتمعات لا تُهزم فقط في ميادين الصراع، بل قد تُهزم عندما تفقد قدرتها على قراءة الواقع وفهم آلياته. فكلما ازدادت حالة الغموض والارتباك، أصبح توجيه الرأي العام أسهل، وأصبحت القدرة على فرض الأجندات المختلفة أكبر.

ولهذا فإن مواجهة الفوضى لا تبدأ بالغضب وحده، بل تبدأ بالوعي. فالوعي يساعد المجتمع على فهم أسباب الأزمات، وتمييز النتائج عن الأسباب، والبحث عن حلول حقيقية بدلاً من الانشغال بردود الفعل المؤقتة.

إن بناء الدولة لا يتحقق في بيئة الفوضى الدائمة، كما أن التنمية لا تزدهر في ظل الأزمات المستمرة. ولذلك يبقى السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه كل مجتمع على نفسه: من المستفيد من استمرار هذا الواقع، ولماذا تتكرر الأزمات دون حلول حاسمة؟

فالإجابة عن هذا السؤال هي الخطوة الأولى نحو فهم المشكلة، وأي محاولة جادة للخروج منها.

إغلاق