اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الشوارع لا تكذب.. ومقصلة الصمت تذبح حضرموت

الشوارع لا تكذب.. ومقصلة الصمت تذبح حضرموت

بقلم/ خالد الصيعري
السبت 20/يونيو/2026

لم يعد في جوف الليالي الحضرمية المتفحمة بلهيب الصيف وانقطاع التيار الكهربائي متسعٌ للمجاملة البروتوكولية. حينما تفكك التركيبة الهندسية للمشهد اليمني الراهن بعد خمسة عشر عاماً من الدوران في حلقة مفرغة من الحروب العبثية والانهيارات الاقتصادية الممنهجة تجد أن السردية السياسية بأكملها قد تم تشويهها وتدوير زواياها لخدمة هندسة غريبة: هندسة بقاء الأزمة لا حلها.
​لقد تلاشت الفوارق التقليدية التي صدّعوا بها الرؤوس فلم يعد الصراع الحقيقي اليوم متمثلاً في تلك الثنائيات الكلاسيكية (شمال وجنوب) أو (شرعية وانقلاب) بل إن المقصلة الحقيقية تقع بين هندامين: مشروع الدولة الغائب المغيب ومشروع الفوضى المستدام الذي يقتات عليه أمراء الحرب وسماسرة الأزمات. في هذه المساحة الرمادية القاتلة يقف المواطن في حضرموت خصوصاً واليمن عموماً مجرداً من آدميته مجرد رقم بارد يُستعرض في تقارير المنظمات الإنسانية الدولية لاستجلاب المساعدات التي لا يصل منها سوى الفتات.
إن النظرة البنيوية العميقة لما آلت إليه الأمور تكشف عن حقيقة مرة: لا الحوثي استطاع بسط مشروعه الكهنوتي ولا الشرعية المترهلة استعادت عاصمة أو كرامة ولا القوى الجنوبية حسمت خياراتها المصيرية وحتى المجتمع الدولي بات يمارس دور “المتفرج الذكي” الذي يدير النزاع ولا ينهيه. فلماذا لم ينتصر أحد؟
لأن الانتصار يعني نهاية الحرب ونهاية الحرب تعني سقوط طبقة طفيلية جديدة نشأت وترعرعت في دهاليز هذا الخراب اقتصاد حرب كامل المتطلبات شبكات مصالح عابرة للحدود وكيانات مالية تعيش على جثة الدولة الميتة.
لقد تحولت القضايا المصيرية الكبرى من الوحدة إلى القضية الجنوبية إلى مجرد كروت تجارية فوق طاولات القمار السياسي والمفاوضات العبثية.
​وفي وسط هذا الركام تبرز حضرموت كشاهد عيان على الخذلان الأكبر. هذا الإقليم الذي ينام على بحر من الثروات والممتد جغرافياً وتاريخياً كعمق استراتيجي يُترك اليوم وحيداً في عراء الأزمات المتلاحقة. يعيش أبناؤه في ظلام دامس وتدهور مريع للخدمات وكأن هناك عقاباً جماعياً غير معلن يُمارس ضد هذه الأرض الطيبة التي صدّرت للعالم المبدعين والكفاءات وحرمت منها في الداخل كما وصفها الكاتب القطري عبدالعزيز الخاطر بأنها “كنز عربي” مهدر.
فالشارع الحضرمي اليوم يغلي وفي صدور الناس زئير مكتوم يتحول بمرور الساعات إلى غضب عارم وصدمة كبرى تجاه الشقيق الأكبر. لم يكن هذا هو السيناريو الذي انتظره الحضارم من المملكة العربية السعودية بعد كل تلك السنوات من الوعود والحديث عن الشراكة والعمق المشترك والتأثير المطلق في الملف اليمني.
​إن حالة الصمت المطبق والاكتفاء بموقع “المراقب الإستراتيجي” أو تقديم مسكنات غارقة في البيروقراطية بينما تنهار الحياة اليومية للمواطن في حضرموت تضع علامات استفهام بحجم الجبال. يتساءل ابن المكلا وسيئون بصوت مخنوق بالقهر:
​هل سقطت حضرموت من حسابات الأشقاء؟
​هل غدت معاناة هذا الشعب ملفاً ثانوياً في أدراج الرياض لا يستدعي التدخل العاجل والمباشر؟
​إن التاريخ لا يسجل الوعود ولا يحفظ أرشفة البرقيات الدبلوماسية المداهنة بل يحفر في ذاكرته مواقف الرجال والقيادات في لحظات الانكسار والشدة.
ومن هذا المنطلق ومن أرض حضرموت التي ما خانت عهد الأخوة يوماً نوجه هذا الخطاب المباشر والصادق إلى المملكة العربية السعودية مليكاً وولياً للعهد ومسؤولين عن الملف اليمني:
​إن الرهان على بقاء الوضع في حضرموت على ما هو عليه من انهيار خدمي واقتصادي هو رهان على بركان قد ينفجر في أي لحظة ليجرف في طريقه كل التوازنات. إننا ندعوكم إلى وقفة صادقة حازمة ومسؤولة تنتشل حضرموت وأهلها من هذا المستنقع.
​لا يريد المواطن هنا هبات إغاثية مؤقتة تُلتقط بها الصور بل يريد إرادة سياسية واقتصادية صلبة تعيد تشغيل توربينات الحياة وتكبح جماح أمراء الأزمات الذين يستثمرون في عذاب الناس.
إن الوقوف الصادق مع حضرموت اليوم ليس ترفاً سياسياً بل هو واجب الأخوة وحق الجوار واستحقاق الوفاء لأرض لم تكن يوماً إلا صمام أمان لكم وللمنطقة بأسرها. إن الناس ينتظرون من المملكة الفعل لا المراقبة وشتان بين من يصنع الحل وبين من يكتفي بمعاينة الكارثة.

إغلاق