أثبت التاريخ أن الحضارم عندما يتوحدون يحققون المعجزات.. فهل آن الأوان؟
بقلم / بدر سالم الجابري
الاحد 15 يونيو 2026
لم تكن حضرموت في يوم من الأيام مجرد أرض أو محافظة أو مساحة جغرافية على الخريطة، بل كانت أمة متكاملة صنعت تاريخها بعرق أبنائها وعقولهم وإرادتهم. وحين ضاقت بهم الأرض، فتحوا لأنفسهم أبواب العالم، فنجحوا في التجارة والاقتصاد والعلم والإدارة، حتى أصبح اسم الحضرمي عنواناً للثقة والنجاح في عشرات البلدان.
لكن السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا نجح الحضرمي في سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا والخليج وأفريقيا، بينما يعجز عن صناعة النجاح الكامل في حضرموت نفسها؟
المشكلة ليست في نقص الثروات، فحضرموت تملك من الثروات ما يكفي لبناء دولة مزدهرة. وليست في نقص الكفاءات، فالحضارم أثبتوا نجاحهم في كل مكان. وليست في نقص التاريخ، فحضرموت تملك تاريخاً أقدم من كثير من الدول الحديثة.
المشكلة الحقيقية أن حضرموت ما زالت تفكر بعقلية رد الفعل لا بعقلية صناعة المستقبل.
لقد اعتدنا أن نسأل: من المسؤول عن فشلنا؟
بينما السؤال الصحيح هو: لماذا لم نصنع نحن مشروع نجاحنا؟
لقد آن الأوان أن نعترف بحقيقة مهمة: لا يوجد عدو أقوى من الانقسام الداخلي، ولا يوجد احتلال أخطر من احتلال العقول بالخلافات الصغيرة.
كل الأطراف تتحدث عن حضرموت، لكن القليل يتحدث عن الإنسان الحضرمي.
كل الأطراف تتحدث عن السلطة، لكن القليل يتحدث عن بناء المؤسسات.
كل الأطراف تتحدث عن الثروة، لكن القليل يتحدث عن كيفية إدارتها.
ولهذا فإن الحل لا يبدأ من السياسة فقط، بل يبدأ من فكرة جديدة.
فكرة أن حضرموت ليست بحاجة إلى زعيم جديد بقدر حاجتها إلى مشروع حضاري جديد.
أولاً: تحويل كل مديرية إلى خلية إنتاج لا إلى مركز انتظار.
بدلاً من انتظار المساعدات والمنح والوعود، يجب أن تمتلك كل منطقة مشروعها الاقتصادي الخاص، وأن تصبح قادرة على إنتاج جزء من احتياجاتها وفرص عملها.
ثانياً: إنشاء “مجلس العقول الحضرمية”.
وليس مجلساً سياسياً تقليدياً، بل مجلساً يضم العلماء والاقتصاديين والمهندسين والخبراء الحضارم من الداخل والخارج، ليضعوا رؤية استراتيجية لخمسين عاماً قادمة، لا لخمسة أشهر فقط.
ثالثاً: إعلان ميثاق حضرمي فوق الجميع.
ميثاق يوقع عليه الجميع، يضع خطوطاً حمراء تمنع التحريض والكراهية والصراعات المناطقية، ويجعل مصلحة حضرموت فوق أي انتماء آخر.
لكن هناك فكرة قد تبدو غريبة للبعض.
ماذا لو توقفت حضرموت عاماً كاملاً عن الصراع السياسي العقيم؟
عام واحد فقط يتم فيه توجيه كل الجهود نحو الكهرباء والمياه والتعليم والصحة والاقتصاد.
عام واحد يتنافس فيه الجميع على من يخدم الناس أكثر، لا على من يرفع الشعارات أكثر.
ألن يكون ذلك أعظم انتصار؟
إن الأمم لا تنهض عندما تنتصر فئة على فئة، بل تنهض عندما ينتصر المشروع على الخلاف.
واليوم لا تحتاج حضرموت إلى المزيد من الخطابات الغاضبة، بل تحتاج إلى ثورة فكرية هادئة.
ثورة تعيد ترتيب الأولويات.
ثورة تجعل بناء الإنسان أهم من بناء الولاءات.
ثورة تجعل الكفاءة أهم من المحسوبية.
ثورة تجعل المستقبل أهم من الماضي.
لقد أثبت التاريخ أن الحضارم عندما يتوحدون حول هدف مشترك يستطيعون تحقيق الإنجازات العظيمة.
واليوم يقف أبناء حضرموت أمام سؤال تاريخي جديد:
هل سنبقى نبحث عن المتسبب في مشاكلنا؟
أم سنصبح نحن صناع الحل؟
إن الأمم العظيمة لا تُقاس بحجم ثرواتها، بل بقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص.
وحضرموت تمتلك كل المقومات لتكون نموذجاً للنجاح والاستقرار والنهضة.
ينقصها شيء واحد فقط…
أن يؤمن أبناؤها بأن وحدتهم خياراً أساسياً للبقاء والانتصار وصناعة المستقبل.






