من طوابير الوقود .. إلى ساحات العيد
بقلم / أ. عبدالعزيز مطيش
السبت 30 / مايو/ 2026م
يأتي عيد الأضحى هذا العام، لا كما كانت تأتي الأعياد في ذاكرة الناس، زاهيةً بالفرح، عامرةً بالطمأنينة، تتسابق فيها البيوت إلى البِشر، وتتهادى فيها القلوب قبل الهدايا… بل يأتي على حضرموت خصوصًا، واليمن عمومًا، مثقلًا بأنين المعاناة، محاطًا بطوابير لا تكاد تنتهي، وكأن المواطن اليمني لم يعد يعيش حياةً طبيعية، وإنما يعيش سباقًا يوميًّا مع الأزمات، كلما ظن أنه بلغ آخرها، وجد نفسه واقفًا على أعتاب أزمةٍ أخرى أشد وأقسى.
فهذا يخرج من طابور البترول، ليقف في طابور الغاز، ويغادر أزمة الديزل ليصطدم بانطفاءات الكهرباء، حتى غدت حياة الناس سلسلةً من الانتظار المُرهق، والركض خلف أبسط الحقوق التي يفترض أن تكون متاحة بلا عناء.
أيُّ عيدٍ هذا الذي يستقبل فيه الناس مناسباتهم على ضوء الشموع، وتحت لهيب الحر، وفي قلوبهم خوفٌ من الغد أكثر من فرحتهم بالعيد؟
حضرموت، تلك الأرض التي طالما تغنّى الناس بخيرها وهدوئها، أصبحت اليوم تصارع اختناق الخدمات، وتئن تحت وطأة الانهيارات المتلاحقة، حتى بات المواطن يشعر أن معاناته لم تعد ظرفًا عابرًا، بل صارت جزءًا من تفاصيل يومه، تمتزج بطعامه، وحديثه، ونومه، وحتى بأعياده وشعائره.
ولعلّ المشهد الذي لمحته أثناء خطبة العيد كان أبلغ من كل الخطب والكلمات؛ سيارةٌ حضرت إلى صلاة العيد، وفيها “دبّة غاز” موضوعة كأنها فردٌ من أفراد الأسرة!
مشهدٌ موجع، لكنه صادق… يختصر حال الناس الذين لم يعودوا يفصلون بين العبادة والمعاناة، ولا بين الفرح والهمّ، لأن الأزمة أصبحت ترافقهم أينما ذهبوا، حتى إلى ساحات التكبير.
أيُّ واقعٍ هذا الذي يجعل الإنسان يفكر في الغاز والكهرباء وهو يسمع تكبيرات العيد؟!
وأيُّ تعبٍ بلغ بالناس حتى صارت أولويات الحياة عندهم ليست تحسين المعيشة، بل مجرد النجاة من الانقطاع والانعدام؟
ومع ذلك… فإن اليمني، رغم هذا الركام الثقيل، لا يزال يقاوم.
يبتسم في وجه أطفاله ولو كان قلبه مثقلًا، ويشتري كسوة العيد ولو اقتطعها من حاجاته، ويُسمع الناس تكبيراته ولو كان داخله مليئًا بالتعب.
وهذه القدرة العجيبة على الصبر هي ما أبقت هذا الشعب واقفًا رغم كل ما مرّ به.
غير أن الصبر لا ينبغي أن يُفهم على أنه قبول دائم بالمعاناة، ولا أن تتحول الأزمات إلى أمرٍ معتاد يُتعايش معه بصمت. فمن حق الناس أن يعيشوا حياةً كريمة، وأن يأتي العيد عليهم وهم منشغلون بالفرح، لا بالبحث عن وقودٍ أو غازٍ أو ساعة كهرباء.
سيبقى العيد عيدًا بما يحمله من معاني الإيمان والتراحم، لكن الوجع حين يطول، يترك ظلاله حتى على أصوات التكبير.
ونسأل الله أن يأتي على حضرموت واليمن عيدٌ قريب، لا تُرى فيه طوابير الذل، ولا تُحمل فيه “دبّات الغاز” إلى مصليات العيد، بل تُحمل فيه القلوب إلى الفرح كما يليق بهذا الشعب الصابر العظيم.






