من إسقاط الحوثي إلى التعايش معه.. كيف تغيّرت الهندسة السياسية في الأزمة اليمنية؟
بقلم / عمار العامري
“صحفي ومحلل سياسي’
في المشهد اليمني تظهر التحولات والأحداث متفرقة للوهلة الأولى، أزمات هنا، تفاهمات سياسية هناك، حوار جنوبي جنوبي في زاوية أخرى، وتصعيد إعلامي يتزامن مع تهدئة عسكرية، غير أن المشهد حين يُقرأ بصورة أعمق يكشف خيطاً واحداً يربط كل تلك التفاصيل؛ خيط التوازنات المؤجلة بانتظار لحظة أكبر من الحرب نفسها.
السعودية اليوم لا تتحرك كدولة تبحث عن انتصار عسكري، وإنما كقوة إقليمية تحاول إدارة شبكة معقدة من القوى والمصالح داخل اليمن، لذلك بدت داعمة للجميع في وقت واحد؛ تدعم الشرعية وتحافظ على خطوط التهدئة مع الحوثي، ترعى الحوارات الجنوبية وتمنع الانفجار الشامل، تفتح أبواب التفاهمات وتؤجل الحسم في آنٍ معاً.
هذه السياسة صنعت حالة غريبة؛ كل الأطراف تشعر أن الرياض قريبة منها، وفي الوقت ذاته تشعر أنها لا تمنحها الانتصار الكامل، هنا يظهر جوهر المعضلة؛ فالدولة التي تتحول إلى ضامن لجميع القوى تصبح مع مرور الوقت أسيرة للتوازنات ذاتها، لأن أي مساحة تُمنح لطرف تعني بالضرورة تضييقاً على طرف آخر.
من هذه الزاوية يمكن فهم اتفاقات التهدئة المتتالية، بدءاً من ملفات الأسرى والرواتب ووصولاً إلى تصدير النفط، تلك البنود تشير إلى انتقال تدريجي من فكرة “إسقاط الحوثي” إلى فكرة “إدارة التعايش معه”، وهذه نقطة مفصلية في الأزمة اليمنية كلها.
الشرعية التي تأسست على هدف استعادة صنعاء تجد نفسها اليوم أمام سباق مع الزمن؛ فكل تقدم في مسار التفاهمات يطرح سؤالاً وجودياً حول مستقبلها السياسي، لأن دخول الحوثي كشريك ضمن أي ترتيبات قادمة يعني عملياً إعادة تعريف شكل الدولة، وموازين النفوذ، والشرعية ذاتها، وهو ما يتوافق مع رؤى أغلب الأطراف.
لهذا يظهر التناقض داخل بنية الشرعية بصورة واضحة، تيار يرفع خطاب التحرير واستعادة الجمهورية، وتيار آخر تشكلت حوله مصالح اقتصادية وإدارية مرتبطة باستمرار الوضع الحالي، اقتصاد الحرب مع مرور السنوات صنع شبكات نفوذ تخشى أي تسوية نهائية قد تعيد توزيع القوة والثروة من جديد.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم الصراع الاقتصادي داخل معسكر الشرعية نفسه؛ فملفات النفط والمصافي والموانئ تعتبر أدوات لإعادة رسم النفوذ السياسي، تشغيل مصافي عدن، والتحكم بمسارات المشتقات، والصراع حول الموارد، جميعها تعكس معركة صامتة داخل معسكر الشرعية نفسها لكبح تيار شبكات المصالح، هل شبكات المصالح الاقتصادية التي بُنيت في أروقة الشرعية خلال سنين الحرب أصبحت اليوم عائقًا أمام تحرير صنعاء؟
لذلك، فإن الهندسة السياسية التي قامت بها الرياض تركت خيارًا واحدًا للشرعية، وهو تحرير صنعاء للحفاظ على مستقبلها السياسي، أو الانخراط في تسوية سياسية تشمل رؤى جميع الأطراف، وهذا قد يحدث ضمن إطار إقليمي يجري الترتيب له.
بينما تحاول الشرعية كسب الوقت، فإنها تقوم بالتنصل من واجباتها تجاه السلطات المحلية، وافتعال الأزمات وخلق الإشكاليات، ظنًّا منها أن ذلك سيبطئ عجلة الوقت حتى يتسنى لها ترتيب صفوفها، وكان تذمر العليمي واضح جداً من التسوية القادمة، حين التقاء وفد مركز تشاتام هاوس، وهو ما يعكس عجز عملي للشرعية في التقدم نحو صنعاء.
في المقابل، يبقاء الجنوب والشرق داخل المعادلة وكأنهما يستعيدان الذاكرة السياسية القديمة بصورة تدريجية، الحديث المتكرر عن “القضية الجنوبية العادلة” يحمل في داخله ما هو أبعد من توصيف سياسي؛ إنه تذكير بأن الجنوب دخل الوحدة وهو يمتلك تاريخاً سياسياً مختلفاً، وسلطنات ومراكز حكم قائمة قبل مرحلة ما بعد 1967.
حضرموت تحديداً تعود إلى واجهة النقاش لثقلها الاقتصادي، موقعها الجغرافي، وإرثها السياسي ما جعلها رقماً مستقلاً في أي معادلة قادمة، لذلك المعركة حولها مركبة؛ صراع نفوذ، وصراع موارد، وصراع تمثيل سياسي في وقت واحد، ماقد يجعل خياراتها الثلاثة القديمة تطرح كتقرير مصير ضمن التسوية السياسية.
وفي خضم ذلك كله، تتحرك السعودية وكأنها تؤجل الحسم بانتظار تشكل بيئة إقليمية جديدة، المنطقة بأكملها تمر بتحولات عميقة؛ النظام الدولي يفقد شيئاً من تماسكه المعروف، والتحالفات الإقليمية تعاد صياغتها وفق المصالح الاقتصادية والممرات البحرية والطاقة أكثر من الشعارات القديمة.
لهذا الرياض حريصة على إبقاء جميع الأبواب مفتوحة؛ الحوثي داخل التوازن، الجنوب داخل الحوار، الشرعية داخل المعادلة، وحضرموت داخل حسابات المستقبل، كأن الهدف النهائي ليس إنتاج منتصر واحد، وإنما بناء صيغة إقليمية أوسع تستوعب الجميع تحت سقف استقرار طويل المدى.
بينما, الخلافات السعودية الإماراتية يمكن فهمها ضمن هذا السياق أيضاً؛ تنافس داخل الشراكة على شكل النفوذ القادم، لا صراع كسر عظم, كل طرف يقرأ مستقبل البحر الأحمر والجنوب وحضرموت بطريقته، ويحاول بناء أدواته المحلية التي تمنحه أفضلية في المرحلة المقبلة.
لهذا المشهد اليمني اليوم أقل شبهاً بحرب أهلية، وأكثر شبهاً بغرفة إعادة تشكيل سياسية مفتوحة على احتمالات واسعة، معركة النفوذ أصبحت حول من يملك حق تعريف شكل المنطقة الأقليمية القادمة.
غير أنها في العمق تعكس صراعاً أكبر بكثير؛ صراع على مستقبل اليمن، وموقع الجنوب وحضرموت، وهوية السلطة، وشكل الجزيرة العربية في زمن إقليمي جديد تتغير ملامحه بهدوء تحت ضجيج الأزمات والتحولات، وهذا يجعلنا نعود إلى تصريح قديم لأبن سلمان حين قال أن أوربا الجديدة هي الشرق الأوسط.






