حرب الحواري.. قراءة في أسباب الصراعات المحلية قبل قرن من الزمان
بقلم / حسن صالح الكاف
السبت 30 مايو 2026
حين تبدأ الخلافات اليوم في الإطلال برأسها مجدداً داخل حواري [حويف] تريم ، فإنها لا تأتي من فراغ، بل تعيد إلى الأذهان فصلاً مؤلماً من تاريخ المدينة قبل حوالي قرن من الزمان.
ففي تلك الحقبة اشتعلت صراعات حادة بين الأهالي والحواري تجاوزت حدود العتب والخصومة لتسيل معها دماء الإخوة على تراب الأرض الواحدة، في مشهد قسوة لم يكن يوماً أصيلاً في وجدان الإنسان التريمي، لكنه استيقظ بفعل عوامل التفتيت.
هذا المشهد الدامي لم يكن حالة معزولة في تريم، بل كان انعكاساً مصغراً لظاهرة (حرب الحواري) التي سادت الوطن العربي بأسره في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. ومع تفكك الروابط الجامعة وظهور المحميات والدويلات تحت وطأة الاستعمار، عانت حارات القاهرة والإسكندرية في مصر من صراعات الفتوات، واشتعلت النزاعات بين قبضايات حواري دمشق وحلب في الشام، وانقسمت محلات بغداد في العراق خلف شقاواتها، لتتحول الأحياء المتجاورة إلى ما يشبه الكيانات المتنافرة.
إن القراءة الفاحصة لهذا التاريخ تكشف أن السياق السياسي العام هو دائماً العامل الخفي والمحرّك الأساسي لنشوء مثل هذه النزاعات المحلية. فعندما يتأزم المشهد السياسي الكبير أو يتشظى في عصر الدويلات، ينعكس ذلك تلقائياً على القواعد الشعبية؛ حيث تغيب المظلة القانونية العامة، وتغذي القوى الخارجية أو المستعمر سياسة (فرّق تسد) لتأمين مصالحها، مما يجعل المجتمع هشاً وقابلاً للانفجار لأتفه الأسباب، ويحول التنافس على الموارد الشحيحة في الظروف الاقتصادية الطاحنة من مجرد أزمة معيشية إلى صراع هوية ومناطقية ضيقة.
وهنا يكمن الدرس البليغ الذي يربط الأمس باليوم؛ فإذا لم ينتبه المجتمع لخطورة هذا المنزلق السياسي الخفي، ولم يسعَ جاهداً وبشكل عاجل لتوحيد الكلمة ورصّ الصفوف على كافة الأصعدة والمستويات، فإن ضريبة الغفلة ستكون باهظة وموجعة. إن عدم الوعي بطبيعة هذه الصراعات المصطنعة يدفع بالخلافات لتتجاوز حدود الحارات والبلدات، وتتغلغل عميقاً ليعاني من جرائها أبناء الشارع الواحد، بل وتنشب الخصومة والقطيعة بين أبناء البيت الواحد الذين يتقاسمون ذات الهم وذات المصير.
إن تاريخ حرب الحواري يعلمنا أن تماسك الكيانات المحلية ليس إلا انعكاساً للوعي الأكبر؛ فمبدأ الوحدة العامة للأمة والتمسك بها، والالتفاف حول المشتركات الجامعة، هو السد الحامي والصخرة الوحيدة التي تتحطم عليها كل مخططات التفتيت والشرذمة وإغلاق الأبواب أمام هدم المجتمعات من داخلها بمعاول أبنائها، لتبقى الأمة قوية متماسكة بجبهة داخلية عصية على الانكسار.






