اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

نظرية صناعة القبول الإعلامي

نظرية صناعة القبول الإعلامي

بقلم | خالد عمر باجبير

في الظاهر يبدو الإعلام الحالي وكأنه مساحة مفتوحة لنقل الحقيقة وحرية الرأي، لكن في العمق هو يعمل بطريقة انتقائية دقيقة، لا يخبرك بكل ما يحدث بل يخبرك بما يريدة لك أن تعرفه، وبالطريقة التي يُراد لك أن تفهمه بها.

وهذا ما يسمى “صناعة القبول ” أي أن الإعلام لا يصنع الأكاذيب غالبا، بل يصنع الإطار الذي تفهم فيه الوقائع ، هو لا يقول لك ماذا تفكر بشكل مباشر، لكنه يحدد لك مسبقًا عن ماذا تفكر، ومن هو الضحية، ومن هو الظالم ، وما هي الأسئلة المسموح بطرحها، وما هي الأسئلة التي تُعتبر تطرفًا أو خروجا عن الإجماع.
بهذه الطريقة، يتحول الإعلام من ناقل للواقع إلى مهندس للوعي ويسيرك على ما يريده وليس ما تريده ، حيث يتم تضخيم أحداث معينة لأنها تخدم مصالحه سياسيًا، بينما يتم تهميش أو تجاهل أحداث أخرى لا تخدم مصالحه ، والنتيجة أن المتلقي يظن أنه حر في رأيه، بينما هو يتحرك داخل مساحة محددة سلفًا من الآراء المقبولة إجتماعيا وإعلاميا

وهنا تكمن الخطورة حين تسيطر جهة ما على السردية، فهي لا تحتاج أن تمنعك من الكلام، يكفي أن تجعل كلامك يبدو هامشيًا، أو غير عقلاني ، مقارنة بما يعرض عليك ليل نهار على أنه الطبيعي والعقلاني، وهكذا تتشكل القناعات بهدوء، عبر التكرار والانتقاء وصناعة الشعور بأن ما تراه هو كل ما يوجد، بينما الواقع أوسع وأعقد بكثير مما يُعرض عليك.

ومن أكثر الأمثلة وضوحا على “صناعة القبول” في الإعلام الحالي ما يمكن ملاحظته في اليمن، حيث لا تُقدم الأحداث غالبا كما هي، بل كما تريد كل جهة أن تُرى. فالقضية الواحدة قد تتحول إلى عدة روايات متناقضة، ليس لأن الحقيقة تغيرت، بل لأن كل وسيلة إعلامية تعيد تشكيلها بما يخدم جمهورها وخطابها السياسي .

الأخطر من ذلك أن الجمهور مع الوقت لا يعود يناقش الوقائع نفسها، بل يناقش النسخة الإعلامية من الوقائع. وهكذا ينقسم الناس نفسيًا قبل أن ينقسموا سياسيًا، لأن كل طرف يعيش داخل سردية مختلفة يشعر فيها أنه يملك الحقيقة الكاملة، بينما هو في الواقع يرى جزءًا منتقى بعناية من الصورة.

ومع كثافة التكرار، يصبح من الصعب على الإنسان أن يلاحظ أنه يتبنى لغة الجهة التي يتابعها، ومفاهيمها، وحتى طريقة غضبها وتعاطفها. فيتحول الإعلام من مجرد ناقل للأخبار إلى بيئة كاملة تُعيد تشكيل الإدراك الجمعي، وتحدد للناس ما الذي يجب أن يخافوا منه، وما الذي يجب أن يكرهونه، وما الذي يجب أن يعتبرونه أمرًا طبيعيًا أو وطنيًا أو أخلاقيًا.

وفي مجتمعنا المتعب سياسيا وخدماتيا تصبح “صناعة القبول” أكثر فاعلية، لأن الإنسان المرهق يبحث عن رواية تمنحه يقينا نفسيًا، لا عن حقيقة معقدة تحتاج إلى شك وتأمل وبحث طويل.

إغلاق