دماء خلف الرداء الأبيض.. حكايات مؤلمة لضحايا الطاقم الطبي في مستوصف السقيا بالصبيحة
تاربة اليوم
2026-11-04 04:13:00
دماء خلف الرداء الأبيض.. حكايات مؤلمة لضحايا الطاقم الطبي في مستوصف السقيا بالصبيحة
الثلاثاء 03 نوفمبر 2026 – الساعة:19:13:57
(تاربة اليوم/خاص:)
هذه هي الصور الحقيقية لمستوصف السقيا في مديرية المضاربة ورأس العارة بمنطقة الصبيحة بمحافظة لحج، الذي تعرض لقصف نفذته ميليشيا الحوثي الإرهابية، وأسفر عن سقوط شهداء وجرحى من الكوادر الطبية والمساعدين والمرضى الذين كانوا يتلقون العلاج داخل المنشأة الصحية.
الصور التي يجري استعراضها اليوم ليست صورًا تعبيرية أو مشاهد مأخوذة من مكان آخر، بل صور للمستوصف الذي تعرض للهجوم، وتعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الوقائع الإنسانية إيلامًا خلال التصعيد العسكري الذي تشهده مناطق الصبيحة وباب المندب.
في هذا المكان البسيط، كان الأطباء والمساعدون يؤدون واجبهم الإنساني في معالجة المرضى وإنقاذ الجرحى، وكان المصابون يبحثون عن فرصة للحياة، قبل أن تطالهم الضربة الحوثية وتحول المستوصف إلى مسرح لمأساة إنسانية مروعة.
وبحسب الحصيلة الأولية التي أعلنتها وزارة الصحة العامة والسكان، فقد أسفر القصف عن استشهاد خمسة أشخاص، بينهم ثلاثة من أفراد الطاقم الطبي، وإصابة 15 آخرين، بينهم سبعة من العاملين في القطاع الصحي.
ووراء هذه الأرقام حكايات إنسانية مؤلمة، فأولئك الذين سقطوا لم يكونوا في ساحة معركة، بل داخل منشأة طبية يفترض أن توفر الحماية والعلاج، وكان من بين الضحايا أشخاص كرسوا جهودهم لإنقاذ حياة الآخرين، قبل أن يصبحوا هم أنفسهم ضحايا للقصف.
ولعل أكثر ما يبعث على الأسى أن بعض النقاشات التي أعقبت الحادثة انصرفت إلى صورة تعبيرية نُشرت في التغطيات الأولى، بدلًا من التركيز على الجريمة ذاتها وما خلفته من خسائر بشرية ومعاناة إنسانية.
لقد انشغل البعض بالسؤال عن الصورة، وتركوا السؤال الأهم: كيف يصل القصف إلى مستوصف طبي؟ وما ذنب طبيب أو ممرض كان يؤدي واجبه الإنساني؟ وما ذنب جريح لجأ إلى المستوصف طلبًا للعلاج، ليجد نفسه أمام خطر الموت في المكان الذي قصده بحثًا عن النجاة؟
واليوم، ومع عرض الصور الحقيقية للمستوصف، تتجدد الأسئلة بشأن حجم الكارثة التي وقعت في السقيا، وما إذا كانت هذه المأساة قد نالت ما تستحقه من اهتمام وتوثيق ومتابعة من الجهات الحقوقية والإنسانية.
إن استهداف منشأة طبية لا تنتهي آثاره عند الضحايا الذين يسقطون لحظة القصف، بل يمتد إلى المجتمع الذي يعتمد على خدماتها، خصوصًا في المناطق الريفية التي تعاني من محدودية المرافق الصحية وصعوبة الوصول إلى المستشفيات والمراكز العلاجية المتخصصة.
فكل مستوصف في هذه المناطق يمثل شريان حياة للسكان، وكل طبيب أو ممرض يؤدي عمله فيه يمثل أملًا لمريض أو جريح أو طفل يحتاج إلى الرعاية الطبية، ولذلك فإن فقدان هذه الكوادر أو تعطيل المنشأة الصحية يضاعف معاناة الأهالي ويترك آثارًا تتجاوز لحظة الهجوم.
وما جرى في مستوصف السقيا يسلط الضوء على خطورة وصول العمليات العسكرية إلى المنشآت الطبية، التي تتمتع بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، ويحظر تعمد استهدافها ما دامت محتفظة بالحماية المقررة لها قانونًا.
وتستدعي هذه الواقعة تحقيقًا مستقلًا وشاملًا في ملابسات القصف، وتوثيق أسماء الضحايا وحجم الأضرار، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات يثبت ارتكابها، إلى جانب العمل على إعادة تأهيل المستوصف وضمان استمرار تقديم الخدمات الصحية لأبناء المنطقة.
وإذا كانت الصور التعبيرية قد أثارت جدلًا لدى البعض، فإن الصور الحقيقية للمستوصف ينبغي أن تعيد النقاش إلى مكانه الصحيح، فالقضية ليست صورة منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما أرواح أُزهقت، وأطباء ومساعدون سقطوا أثناء أداء واجبهم، وجرحى تعرضوا للقصف في مكان كان يفترض أن يكون ملاذًا آمنًا لهم.
هذه ليست مجرد صور لمبنى تعرض للقصف، بل صور لمأساة إنسانية حقيقية. هنا كان أطباء ينقذون الأرواح، وهنا كان جرحى ينتظرون الشفاء، وهنا امتدت نيران الحرب إلى مكان كان ينبغي أن يبقى بعيدًا عنها.
إن دماء الضحايا الذين سقطوا في مستوصف السقيا تستحق الإنصاف، ومعاناة أسرهم تستحق الاهتمام، والجريمة تستوجب التوثيق والمساءلة، بعيدًا عن أي محاولات لصرف الأنظار عن حقيقتها أو اختزالها في نقاش حول صورة تعبيرية.
وستبقى مأساة مستوصف السقيا واحدة من الوقائع المؤلمة التي تكشف حجم الثمن الإنساني للحرب، وتذكر الجميع بأن حماية الأطباء والمرضى والجرحى والمنشآت الصحية واجب قانوني وإنساني لا يجوز التهاون فيه.
رحم الله شهداء مستوصف السقيا، وشفى الجرحى، وألهم أسر الضحايا الصبر والسلوان. فالأرواح التي أُزهقت لا تعيدها بيانات الإدانة، لكن إنصاف أصحابها ومحاسبة المسؤولين عن قتلهم يظلان واجبًا لا يسقط بالتقادم.






