مدن تسكن القلب(مدينة سيئون)
بقلم / صالح مبارك الغرابي
الاربعاء 28 اكتوبر 2026
كان حديثنا في مقالنا بهذا الموقع الأسبوع الماضي عن مدينة الغيضة، عاصمة محافظة المهرة.
واليوم سيكون الحديث عن مدينة لا تقل أهمية ومكانة عن مدينة الغيضة، وهي مدينة سيئون، مع الاختلاف الحاصل والواضح بين الاثنتين في تمكنهما وتمسكنهما من قلبي.
سيئون التي تجتمع فيها أشياء كثيرة جميلة، ومنها الإنسان السيئوني الصبور وصاحب النفس الطويل في اكتساب لقمة عيشه، وهذا ما شدني كثيراً لأشخاص كثر من هذه المدينة، أشخاص قنوعون ومرتاحو البال بما يأتيهم من عمل أيديهم من الأعمال البسيطة.
وهنا سأسرد لكم واقعة لا زالت عالقة في ذهني منذ فترة بعيدة، عندما أتيت إلى سيئون في زيارة عمل وكنت أتردد يومياً على سوق بيع الأسماك المجففة المعروف محلياً وبلهجتنا الدارجة (اللخم)، وأثناء مجيئي صباحاً كنت أشاهد يومياً ولداً صغيراً لديه حافظة المشروبات الباردة (مطارة) يبيع في هذا السوق ما بداخل هذه الحافظة من المجمدات التي نطلق عليها (المصّة)، ويظل متواجداً في السوق إلى بعد الظهر فيغادر السوق إلى وجهته الأخيرة وهي منطقة منطقه بور، وهكذا يستمر يومياً على هذا الحال.
ومن فضولي أنني سألته: كم تكسب من هذا العمل؟
قال: الخير والبركة، وأساعد أهلي في بعض مصاريف البيت مع ما نحن فيه من وضع اقتصادي سيء.
ثم أردف بقوله: هذا العمل الذي تراه لن أستمر فيه كثيراً، فهو في نظري وتفكيري نقطة عبور، ومنه أكتسب الخبرة والصبر والجلد حتى أنتقل لعمل أكبر منه يعود عليّ بالمنفعة والفائدة.
هذه حالة واحدة لكثير من الحالات في كثير من مدن وادي حضرموت، حالة تجعلك تعرف مدى الصبر على العمل مهما كان دخله قليلاً.
ولكن إن نظرنا لبعض المدن في ساحلنا الحضرمي، فسنصاب بالحنق والقهر على ما آلت إليه أحوال كثير من الشباب ممن تعدوا مرحلة ذلك الولد السيئوني الصبور، وهم اتكاليون ومن النوع الكسول وغير المجتهد في شق طريقه في هذه الحياة الصاخبة.
وهذا الإصرار من أبناء هذه المدينة وغيرها من مدن الوادي على كسب الرزق من عرق الجبين هو من جعل هذه المدينة تضاف عندي كواحدة من المدن التي تسكن القلب، وهنيئاً لي أن تكون سيئون بهذه المكانة عندي وعند الكثير ممن يتفحصون الأشياء الإيجابية شبه المخفية إلا على من يدقق النظر من حوله أثناء تنقلاته بين المدن






