منارات العلم لا تنطفئ.. العلامة محمد باحنان بعد خمسة وستين عامًا على رحيله
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب حفيده : أنس بن القاضي علي باحنان
23 اكتوبر 2026
غد الثاني عشر من جمادى الأولى، تحل الذكرى الخامسة والستون لرحيل عَلَمٍ من أعلام حضرموت، ورجلٍ من رجالات العلم والدعوة والتربية والتاريخ، هو جدي العلامة الفقيه المؤرخ والمربي الفاضل محمد بن علي زاكن باحنان الأشعثي الكندي، رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين، وعن حضرموت وأهلها، خير الجزاء.
خمسة وستون عامًا مضت على رحيله، غير أن الرجال الذين يكرسون أعمارهم للعلم وبناء الإنسان وخدمة المجتمع لا تطويهم السنون، ولا يغيب أثرهم بغياب أجسادهم؛ إذ تبقى سيرتهم حيّة بما خلفوه من علم، وما غرسوه من قيم، وما تركوه من بصمات راسخة في حياة الأجيال. فالموت نهاية العمر، وليس نهاية الأثر ما دام العلم نافعًا، والخير ممتدًّا، والذكر الطيب باقيًا.
من عينات انطلقت الرسالة، وإلى الأجيال امتد العطاء
لم يكن العلامة محمد باحنان عالمًا حبيس الكتب، بل كان صاحب رسالة جعل من التعليم والدعوة والإصلاح غايةً يسعى إليها. فمن موطنه عينات انطلقت جهوده في تأسيس المدارس والمعاهد، وامتد عطاؤه إلى نسرة وصيف وغيرها، مؤمنًا بأن نهضة المجتمعات تبدأ ببناء الإنسان، وأن صلاح الأجيال ثمرة العلم والتربية وغرس الفضائل.
وقد أسهم في تربية أجيال من طلاب العلم الذين حملوا بعده ما تلقوه عنه من معارف وقيم، فامتد عطاؤه عبر التعليم والإرشاد وبناء الإنسان. وكان يدرك أن المدرسة ليست جدرانًا تؤوي المتعلمين فحسب، بل منارة تصوغ العقول، وتهذب النفوس، وتغرس بذور المعرفة والاستقامة وحسن الخلق؛ وهي رسالة نحن اليوم أحوج ما نكون إلى استلهامها وإعادة الاعتبار للتعليم الذي يصنع الوعي ويهيئ الأجيال لخدمة دينها ومجتمعها ووطنها.
مؤلفات علمية وذاكرة تاريخية لا تُقدَّر بثمن
إلى جانب جهوده التعليمية والدعوية، كان العلامة محمد باحنان صاحب قلمٍ سيّال واهتمامات علمية متنوعة، تجلت في مؤلفاته الشرعية والدينية، واشتغاله بالأدب والشعر والتاريخ ومجالات المعرفة المختلفة. وقد مثّلت آثاره المكتوبة امتدادًا لرسالته في التعليم، وإسهامًا في حفظ المعرفة وصيانة التراث ونقله إلى الأجيال.
وفي مقدمة جهوده التاريخية يبرز كتابه الموسوعي «القول الشاف في تاريخ الأحقاف»، الذي يشهد بعنايته بتاريخ حضرموت وأخبارها وأعلامها وأحوالها، وحرصه على جمع مادتها التاريخية وحفظ ذاكرتها من الضياع. فقد أدرك أن تاريخ الأمم ليس صفحات من الماضي فحسب، بل هو ذاكرة الهوية، ومستودع التجارب، والجسر الذي يصل الأجيال بجذورها وأصولها.
ومن الوفاء لهذا العَلَم جمع مؤلفاته وفهرستها وتحقيقها، وإخراجها في طبعات علمية رصينة تليق بقيمتها، إلى جانب دراسة كتابه التاريخي وتوثيق رواياته ومقارنة مادته بالمراجع الأخرى؛ بما يبرز مكانته العلمية والأدبية، ويتيح للباحثين وطلاب العلم الإفادة من تراثه.
مصلح اجتماعي يحمل بشائر الخير أينما حلّ
لم يكن العلامة محمد باحنان فقيهًا ومربيًا وداعيةً ومؤرخًا فحسب، بل كان مصلحًا اجتماعيًّا أدرك أن خدمة المجتمع تتطلب مبادرات عملية ومؤسسات تجمع الناس على الخير، وتعزز التعاون والتكافل وتنمّي الوعي. ومن هذا المنطلق، ارتبطت جهوده بتأسيس الأندية الفكرية والاجتماعية والجمعيات الخيرية في عينات وصيف وغيرها.
وهكذا جمع بين العلم والعمل، والدعوة والبناء، وتربية الأفراد والإسهام في إصلاح المجتمع، ناشرًا العلم والفضيلة، وساعيًا إلى توسيع دائرة النفع العام.
ومن حقه علينا أن تُجمع شهادات معاصريه وتلامذته، وتُوثّق أقوال العلماء فيه، وتُدرس آثاره في ضوء الوثائق والشواهد التاريخية، لاستكمال صورة جهوده العلمية والاجتماعية وتعريف الأجيال بمكانته.
وراء العَلَم قصة نشأة وتربية ومثابرة
إن الوفاء للعلامة محمد باحنان لا يقتصر على استحضار منجزاته، بل يمتد إلى توثيق نشأته وبدايات طلبه للعلم، والبيئة التي احتضنته، والشيوخ الذين أخذ عنهم، والتجارب التي أسهمت في تشكيل شخصيته وصقل مواهبه.
كما تستحق جهود والديه، رحمهما الله تعالى، عناية خاصة، تقديرًا لما بذلاه من تربية وإعداد، وما تحمّلاه من مشقة ومثابرة حتى بلغ هذه المكانة العلمية والاجتماعية المرموقة.
رحمه الله الشيخ واسكنه فسيح جناته ونفع الله بعلمه .
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






