المهرة.. وحدة الموقف وتوحيد الجهود نحو استعادة الدولة
بقلم / محمد سعيد كلشات
لم تكن محافظة المهرة يومًا مجرد مساحة جغرافية في أقصى شرق اليمن، بل مثّلت، بما تمتلكه من خصوصية اجتماعية وتاريخ من التعايش، نموذجًا لأهمية التماسك المجتمعي في حماية الاستقرار وصون الهوية الوطنية، في ظل التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها البلاد.
وتتجلى ملامح هذا الموقف في مظاهر الاعتزاز بالجمهورية اليمنية، وفي رفع العلم الوطني بالمؤسسات الحكومية في مختلف مديريات المحافظة ومركزها الغيضة، إلى جانب التطورات الأمنية التي شهدتها المحافظة، وما رافقها من ترتيبات لتثبيت حضور مؤسسات الدولة وإدارة المواقع والمعسكرات عبر القيادات والقوات التابعة للحكومة الشرعية. وهي تطورات تبرز أهمية الاحتكام إلى مؤسسات الدولة، وتغليب المصلحة العامة، والحفاظ على أمن المهرة واستقرارها، و تجنيبها الصراعات و التجاذبات.
ولا تقتصر مسؤولية الحفاظ على هذا المسار على الجانب الرسمي، بل تمتد إلى مختلف مكونات المجتمع؛ من القبائل والشباب والنساء إلى الأحزاب والمكونات السياسية والمثقفين والمؤسسات التعليمية. فهذه المكونات تمثل ركيزة أساسية في تعزيز الانتماء الوطني، وصيانة السلم الأهلي، وترسيخ ثقافة الحوار والتوافق، بما يحول دون استغلال التباينات السياسية والاجتماعية للإضرار بوحدة المجتمع أو جر المحافظة إلى صراعات لا تخدم مصالح أبنائها.
وفي ظل تعدد المشاريع السياسية وتباين الرؤى بشأن مستقبل اليمن، تبرز الحاجة إلى موقف وطني واضح يستند إلى الدستور، ويحافظ على وحدة البلاد، ويرفض مشاريع التفكيك والانقسام، ويدعم مؤسسات الدولة و سلطتها على كامل التراب الوطني. فالدفاع عن الوحدة الوطنية لا يعني تجاهل المظالم أو إنكار خصوصية المحافظات وبالاخص المحافظات الشرقية، بل يقتضي معالجتها بالعدل والشراكة والمواطنة المتساوية، وضمان الحقوق والحريات لجميع اليمنيين.
وفي المقابل، فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن المهرة تواجه تحديات خدمية وتنموية و معيشية حقيقية، وأن قيمة مواقفها الوطنية تزداد رسوخًا حين تقترن بتحسين حياة المواطنين، وتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة، وتوسيع المشاركة المجتمعية والسياسية، وضمان حصول أبناء المحافظة على حقوقهم و فرصهم العادلة. فاستقرار المجتمع لا ينفصل عن التنمية والعدالة، كما أن قوة الدولة ترتبط بقدرتها على حماية المواطنين والاستجابة لتطلعاتهم.
إن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من وحدة الموقف إلى توحيد الجهود، ومن التعبير عن الانتماء الوطني إلى ترجمته في مواقف عملية ومسؤولية مشتركة. فاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وتحرير المحافظات اليمنية كافة تمثل أهدافًا وطنية تتطلب اصطفافًا واسعًا، واستجابة مسؤولة لدعوات التعبئة العامة، وتوحيد الإمكانات والجهود خلف مؤسسات الشرعية، بما يسهم في استعادة مؤسسات الدولة وترسيخ سلطة القانون على كامل التراب اليمني.
والمهرة، بما تمتلكه من تماسك اجتماعي ورصيد وطني، معنية بالإسهام الفاعل في هذا المسار، وتعزيز وحدة الصف، والتمسك بالجمهورية، ورفض مشاريع التمزيق والانفصال. فالمطلوب اليوم تجاوز الخلافات والمصالح الضيقة، وتوجيه الطاقات نحو استعادة الدولة وبناء يمن جديد، موحد وعادل، يقوم على المواطنة المتساوية، ويصون الحقوق والحريات، ويكفل الكرامة لجميع أبنائه.
إن استعادة الدولة ليست مجرد هدف سياسي، بل ضرورة وطنية لبناء مستقبل اليمن؛ مستقبل تُحسم فيه الخلافات عبر المؤسسات والقانون، وتُصان فيه الوحدة بالعدالة والشراكة، ويستعيد فيه اليمنيون حقهم في الأمن والاستقرار والتنمية.






