ظهور الزبيدي ورسائل ما وراء الخطاب: إعادة تشكيل المعادلة الجنوبية
بقلم/ عوض باشعيوث
الجمعة 16 اكتوبر 2026
لم يكن ظهور عيدروس الزبيدي مجرد إطلالة سياسية عابرة، بل حدثاً يستحق القراءة في سياق التحولات التي يشهدها الجنوب، والتجاذبات الإقليمية والدولية المحيطة بالقضية الجنوبية، وما قد تفرضه المرحلة المقبلة من إعادة ترتيب للمشهد السياسي.
يأتي هذا الظهور محمّلاً برسائل تتجاوز حدود الخطاب المعلن، خصوصاً في ظل توجه المجلس الانتقالي نحو خفض التصعيد مع الرياض، بما يفتح الباب أمام احتمالات مراجعة الخلافات السابقة والبحث عن مسارات جديدة للتفاهم. وهو ما يثير تساؤلات حول وجود تفاهمات إقليمية محتملة، وإن كان الجزم بذلك يظل مرهوناً بما ستكشف عنه التطورات اللاحقة.
وفي خطابه، أعاد الزبيدي التأكيد على الاعتراف بالإعلان الدستوري والبيان السياسي، وحق شعب الجنوب في تقرير مصيره السياسي. كما عبّر عن رفض استمرار الوحدة بصيغتها القائمة، التي يرى أنصار المشروع الجنوبي أنها أخفقت في بناء دولة عادلة، وأبقت المجال مفتوحاً أمام نفوذ مراكز القوى التقليدية والدولة العميقة.
وتبرز خلف هذا الظهور رسائل أخرى، أهمها السعي إلى استعادة المبادرة السياسية، وإظهار استمرار الحضور الشعبي للمجلس الانتقالي، إلى جانب مخاطبة الأطراف الإقليمية والدولية بأن القضية الجنوبية لا تزال حاضرة، وأن أي تسوية سياسية شاملة لا يمكنها تجاوزها.
لكن السؤال الأهم يبقى متعلقاً بما بعد الخطاب؛ فخفض التصعيد لا يعني بالضرورة انتهاء الخلافات، كما أن الظهور السياسي وحده لا يكفي لإحداث تغيير جذري في موازين القوى. فذلك مرهون بقرارات عملية، وتفاهمات واضحة، وقدرة الأطراف الجنوبية على تجاوز خلافاتها وبناء أرضية مشتركة تحفظ حقوق الجنوبيين وتطلعاتهم.
إن المرحلة المقبلة قد تحمل تحولات مهمة، غير أن مستقبل الجنوب لا ينبغي أن يظل رهينة التفاهمات الإقليمية وحدها، بل يحتاج إلى رؤية سياسية جامعة تستوعب تعدد مكوناته، وتؤسس لشراكة حقيقية، وتضع إرادة أبنائه ومصالحهم في صدارة أي تسوية قادمة.
فما بعد الظهور هو الاختبار الحقيقي، وما ستكشف عنه الأيام المقبلة من مواقف وخطوات عملية هو الذي سيحدد ما إذا كنا أمام تحول سياسي فعلي، أم مجرد رسالة جديدة في مشهد لا تزال ملامحه قيد التشكل.






