التهدئة مع الرياض.. فرصة سياسية مشروطة بإنصاف الجنوب وجبر الضرر
تاربة ــ اليوم /كتابات واراء
بقلم: عوض أحمد بن جميل
13أكتوبر 2026
أثارت تصريحات الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي بشأن وقف التصعيد الإعلامي مع المملكة العربية السعودية ردود فعل متباينة في أوساط الشارع الجنوبي؛ بين مؤيد يرى فيها فرصة لفتح مسار سياسي جديد، ومعارض يخشى أن تتحول إلى تنازل عن الحقوق الوطنية، ومتحفظ ينتظر ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من نتائج واستحقاقات ملموسة على أرض الواقع.
وفي تقديري، ينبغي التعامل مع هذه الخطوة انطلاقاً من قراءة سياسية واقعية توازن بين ضرورات المرحلة ومصالح شعب الجنوب، بعيداً عن الانفعال والأحكام المسبقة. فخفض التصعيد قد يمثل خياراً سياسياً مسؤولاً إذا كان مدخلاً لمعالجة الخلافات، وتصحيح مسار العلاقة مع المملكة، بما يضمن احترام إرادة الجنوبيين وحقوقهم الوطنية، ويضع حداً للممارسات التي أسهمت في إضعاف التمثيل السياسي الجنوبي وتشتيت صفوفه.
غير أن التهدئة، مهما كانت مبرراتها، لا تعني تجاوز ما تعرضت له القوات الجنوبية من خسائر بشرية، أو التغاضي عن معاناة أسر الشهداء والجرحى، ولا إسقاط المطالب المشروعة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي طالت أبناء الجنوب، بما في ذلك ما تعرض له المتظاهرون السلميون.
ومن هذا المنطلق، يمثل جبر الضرر وإنصاف المتضررين وتعويضهم تعويضاً عادلاً أحد المرتكزات الأساسية لأي مسار جاد لاستعادة الثقة وتطبيع العلاقة مع المملكة. فدماء الشهداء وتضحيات الجنوبيين لا يجوز أن تتحول إلى تفاصيل هامشية في أي تفاهمات سياسية، بل ينبغي أن تحظى بما تستحقه من إنصاف، وأن تفضي التضحيات إلى نتائج تحفظ كرامة الشعب وتخدم تطلعاته الوطنية.
لذلك، فإن دعم التهدئة ينبغي أن يرتبط بنتائج ملموسة، في مقدمتها إنصاف أسر الشهداء والجرحى، ومعالجة آثار الأحداث والتجاوزات، وضمان عدم تكرارها، وإعادة الاعتبار للإرادة السياسية الجنوبية، ورفض أي ترتيبات تنتقص من حق شعب الجنوب في تقرير مستقبله.
كما يتطلب نجاح هذه الخطوة، معالجة الاختلالات في المشهد السياسي، وإنهاء مظاهر الإقصاء والتهميش، ومراجعة ترتيبات السلطة التي أضعفت التمثيل الجنوبي، وتمكين أبناء الجنوب من إدارة شؤونهم ومؤسساتهم، على أساس شراكة عادلة تعكس حجم التضحيات التي قدموها، وتصون حقهم في المشاركة الفاعلة في صنع القرار، مع تقديم وعود صريحة بدعم حق الشعب الجنوبي في تقرير مصيره عقب الخلاص من التهديدات الحوثية.
وفي هذا السياق، تتطلع قطاعات واسعة من الشارع الجنوبي إلى عودة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي إلى تصدّر المشهد السياسي، واستعادة القيادة الجنوبية دورها الفاعل في إدارة المرحلة المقبلة، بما يعزز وحدة الصف، ويحافظ على المكتسبات الوطنية، ويفتح الطريق أمام تسوية سياسية عادلة للقضية الجنوبية، تنهي محاولات الالتفاف عليها وتضع حدًا لأي وصاية على القرار الجنوبي.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد تهدئة إعلامية أو تفاهمات غير معلنة، بل مسار سياسي واضح يستند إلى ضمانات حقيقية واستحقاقات محددة، وينصف المتضررين، ويحفظ كرامة الجنوبيين، ويؤسس لعلاقة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيداً عن سياسة فرض الأمر الواقع أو تجاهل المطالب الوطنية.
وفي المحصلة، فإن القضية الجنوبية لا يمكن اختزالها في خلاف بين أطراف سياسية، أو في صراع على المناصب والترتيبات الحكومية؛ فهي قضية شعب يتطلع إلى استعادة دولته كاملة السيادة، وفق إرادته الوطنية وحدوده المعروفة قبل 22 مايو 1990. ومن ثم، فإن أي تسوية سياسية جادة ينبغي أن تنطلق من الاعتراف بهذه الحقيقة، واحترام حق شعب الجنوب في تقرير مستقبله، بعيداً عن الإملاءات والتسويات التي تتجاوز تطلعاته.
فالتهدئة التي لا تقود إلى الإنصاف، ولا تحفظ الحقوق، ولا تفتح أفقاً سياسياً عادلاً، ستظل إجراءً مؤقتاً؛ أما التهدئة التي تؤسس للثقة وتعالج أسباب الخلاف، فيمكن أن تتحول إلى فرصة حقيقية تخدم مصالح الجنوب وتؤسس لعلاقة متوازنة مع المملكة.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






